DzActiviste.info Publié le dim 14 Juil 2013

مصر: الانقلابات لا تبني أوطانا

Partager

   Sissi el moudjrim                                        س.ج

« أسوأ مكان في الجحيم محجوز للذين يقفون على الحياد في المعارك الأخلاقية »

مارتن لوثر كينغ

 ما حدث في مصر يعتبر انحرافا خطيرا وبكل المقاييس لما يسمى الربيع العربي ويمثل درسا قويا للتيارات السياسية المتبنية للمرجعية الإسلامية وكاشفا لما يسمى بالتيار المدني  أو الحداثي أو الديمقراطي مع استثناءات قليلة لا تكاد تذكر من الشرفاء . ما تجدر الإشارة إليه أن هذا الانقلاب ليس الأول بعد الثورة لأن الانقلاب الأول كان ناعما عندما حلت المحكمة الدستورية المعينة من مبارك برلمانا أنتخبه 32 مليون مصريا.

بغض النظر عن الأخطاء التي أرتكبها الإخوان في مسيرتهم السياسية بعد الثورة  وفشلهم في إيجاد أرضية توافق أوسع بينهم وبين خصومهم السياسيين وشركاء الثورة إلا أنه لا يمكن لمن يؤمن بالديمقراطية والتأسيس للتداول السلمي على السلطة  أن يجد أية  مبرر أخلاقي لهذا الانقلاب. ما يحدث في مصر ليس قضية إخوان مسلمين  أو التيار الإسلامي بل قضية الشعب المصري المعارض منه والمؤيد  لأن كثير من مؤيدي هذا الانقلاب  اليوم سيعظون أصابعهم بعد فترة قصيرة ندما وهم يرون النظام الذي قامت عليه ثورة يناير يعود بوجهه القبيح والأقبح. إن صلب القضية  هو أن يعيش الشعب المصري حرا كريما أو يعود إلى حياة العبودية والتي يبدو أن الكثيرين ألفوا الحياة في ظلها ولا يستطيعون أن يتنفسوا هواء الحرية.

 ***

منذ اليوم الأول لتنحي مبارك كان واضحا أن الثورة المصرية تدحرجت في حجر العسكر، وأعتقد أنه لم يكن خافيا على معظم الساسة وبما فيهم الإخوان أن المجلس العسكري لم يناصر الثورة بقدر ما أنقذ نظام مبارك وسياساته وتفادى الدخول في مواجهة مع الموجة الثورية  عندما كانت جميع التيارات المعارضة يدا واحدة  وأختار أن يلاعبهم وهم متفرقين  و الشواهد على هذا متعددة.

وصول مصر إلى هذه الحالة ليس وليد الصدفة بل هو عملية ممنهجة تم التخطيط لها منذ اليوم الأول لسقوط مبارك، فلقد أعتمد المجلس العسكري أو ( مجلس مبارك  ونظامه) على أسلوب أشبه بقصة الحاخام والخنزير التي أشار إليها الكاتب في أحد مقالاته  حول  الشأن المصري قبيل الانتخابات الرئاسية، حيث أدخل المجلس العسكري المجتمع المصري في حالة من الفوضى الأمنية والخدمية جعلت قطاعا عريضا من الشعب البسيط يترحم على أيام مبارك ويكفرون بما أوصلتهم له الثورة، من ناحية أخرى كانت أعين المجلس العسكري على الانتخابات الرئاسية من أجل وئد الثورة المصرية وإعادة استنساخ نظام مبارك بالآليات التي نادت بها الثورة المصرية ولكن محاولته فشلت.

وصول مرشح الإخوان للرئاسة على مضض منه ومن جماعته بعد حل البرلمان  شكل نقطة تحول في الصراع في مصر ونقل الصراع إلى نواة النظام. لقد أختار الرئيس مرسي ومن ورائه جماعة الإخوان إدارة الصراع مع دولة  مبارك العميقة عبر الآليات الدستورية والمؤسساتية ومن داخل هذه المؤسسات بأسلوب إصلاحي أقرب إلى أسلوب الجماعة الدعوي  اختاروا  فيه أسلوب المرحلية في تفكيك الدولة العميقة معتقدين أن الجيش سيسمح لهم ويكون طرفا محايدا في الصراع وأنه لن يقف ضدهم ما لم يمسوا بمصالح قادته المادية وظنوا أن معركة الجيش يمكن تأجيلها  إلى تترسخ أرجلهم في الحكم. هذا الأسلوب في إدارة الصراع يمكن قراءته  عند أهم منظريهم الكاتب القبطي رفيق حبيب في كتيبه أو مقالته المطولة « من يسقط النظام؟ ». في الحقيقة هناك شواهد على أن الإخوان وقعوا ضحية عملية خداع كبيرة من بعض قيادات الجيش وهو الأمر الذي جعلهم يأمنون مكر  الجيش لقناعتهم أنهم يستطيعون مواجهة دولة مبارك بالنفس الطويل والمناورة السياسية وامتصاص الصدمات  والإنجازات على الأرض، وهو ما يفسر لجوء الرئيس مرسي إلى أسلوب الموائمات والمهادنة بدل أسلوب المكاشفة والمصارحة الذي ربما كان سيغير الموقف.

من ناحية أخرى أستطاع تحالف النظام السابق ممثلا برجال أعماله وآلتهم الإعلامية  مع التيار  المدني والديمقراطي أو الليبرالي ورموزه من محاصرة  مؤسسة الرئاسة وتضخيم أخطائها السياسية والتركيز عليها ونشر الإشاعات والأكاذيب والتعتيم عن  إنجازاتها التي لا يمكن إنكارها أيضا ، ولكن خيار الرئيس مرسي في إدارة الدولة المصرية عبر مؤسسات معادية ،خاصة الأمنية والقضائية منها، جعل  مهمته كمن يبحر بقارب خشبي في محيط من الأمواج المتلاطمة .  لهذا فإن الهدف الأساس لمرسي كان إجراء انتخابات تشريعية من أجل بناء مؤسسة تشريعية قوية وتأسيس  شرعية مزدوجة ، بحكم أن الانتخابات كانت ستأتي بأغلبية من تيار الموالاة وليس بالضرورة من الإخوان وهو ما كان سيوفر له غطاءا شرعيا لإجراء العديد من الإصلاحات العميقة في المؤسسات الأمنية والقضائية، لهذا فإن الطرف الآخر سخر كل وسائله من أجل منع إجراء هذه الانتخابات وذلك عبر اللجوء إلى القضاء والذي أصدر أحكاما تاريخية وأقرب إلى الأحكام السياسية التعسفية من أجل وقف إجراء الانتخابات التشريعية وعندما أصبح واضحا أن العوائق أمام هذه الانتخابات يمكن تخطيها جاء الانقلاب العسكري لينقلب على شرعية رئيس منفرد قبل أن يضطر إلى الانقلاب على شرعيتين: برلمان ورئيس،  وهو أمر شبه مستحيل.

 ***

 ما حدث في مصر من انقلاب وما شهدته فترة حكم مرسي كشفت أننا أمام بعض التيارات السياسية المدعية للمدنية والتي تفتقد ليس فقط لأبسط قيم الديمقراطية والمدنية بل تفتقد القيم الإنسانية والأخلاقية أيضا. فمن يسمون أنفسهم مدنيين أو ليبراليين أو ديمقراطيين في مصر لم يجدوا حرجا في وضع أيديهم في أيدي العسكر واستدعائهم جهارا للانقلاب على أول رئيس منتخب شرعي في تاريخ مصر مهما كانت مؤاخذتنا عن الخيارات السياسية لهذا الرئيس  والذي كان من الممكن أن يترك للشعب محاسبته بعد ثلاث سنوات. كما أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد بل شهدت السنة الماضية كما من العنف السياسي من طرف واحد وتحت غطاء سياسي وفره هؤلاء الديمقراطيون ومدعي الحرية والحداثة والمدنية، هذا العنف وصل فيه الأمر إلى حرق الناس أحياء والاعتداء على المساجد والاعتداء على الملتحين والمحجبات ومقار أحزاب وجماعات سياسية والممتلكات الخاصة في ظل تواطؤ واضح من المؤسسات الأمنية والقضائية، ثم لينتهي الأمر بسكوت بل وتبرير التيارات المدنية لمجزرة الحرس الجمهوري. المفارقة العجيبة أن من عارضوا مرسي واتهموه بأنه لم يقتص لشهداء الثورة  احتفوا بعزل مرسي جنبا إلى جنب مع قتلة الثوار أنفسهم وهو ما يجعل المشهد المصري مشهدا عبثيا يجعل الحليم حيران.

إن أكبر خطـأ يمكن أن يقع فيه المتتبع للشأن المصري هو تصوير من خرجوا للتظاهر ضد حكم مرسي بأنهم من شباب الثورة  أو أنهم من المنتمين للتيارات السياسية الديمقراطية المعارضة لمرسي . فما حدث يوم 30 جوان من حشد لا تمثل فيه التيارات السياسية العلمانية والقومية شيئا  يذكر بل هي عملية تجييش وحشد قامت بهما الدولة العميقة للنظام السابق بدعم مفضوح من الإمارات والسعودية والكويت وإدارة وإشراف من السفارة الأمريكية والتي أجرت المفاوضات الأخيرة مع مرسي . لقد استحضرت دولة مبارك كل أدواتها من رجال شرطة وأمن دولة وبلطجية وقطاع من الشعب الذي أستطاع الإعلام إقناعه بأن كل أزمات مصر هي بسبب هذا الرئيس ويضاف إليهم قطاع عريض من أقباط مصر والذين شكلوا ربما نصف من احتشدوا في القاهرة والإسكندرية .  سرعة قرار الانقلاب بعد ثلاث أيام من 30 يونيو يوضح أن من خططوا للإنقلاب يعلمون  أن نفس المحتشدين ليس طويلا وأنه لو تأخر قرار الانقلاب أكثر لأصبح الميدان خاليا ولما وجد العسكر سندا جماهيريا كافيا لإخراج مسرحيتهم.

من  مفارقات المشهد المصري  أن من بين من باركوا وخططوا بليل للإنقلاب نجد العلماني المتطرف والأزهري والسلفي المتحجر والكنيسة. والغريب هنا أن حزب النور السلفي والأزهر هما من أصرا على وضع بعض المواد في الدستور والتي كانت محل تحفظ من الإخوان ورفض شديد من طرف التيار المدني  وكانت سببا ( على الأقل ظاهريا) في انسحاب ممثليهم من الجمعية التأسيسية وهنا يطرح السؤال نفسه: هل هذا محض صدفة؟

***

من الصعب التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور في مصر ولكن ليس مستبعدا أن تكون ثورة 25 يناير شبيهة بثورة 1952 ويكون مرسي هو محمد نجيب والسيسي هو عبد الناصر ولكن بنكهة أمريكية، أو ربما تدخل مصر في النفق الجزائري بكل مآسيه أو يستطيع أنصار مرسي إعادته كما حصل مع شافيز في فينزويلا سنة 2002 ، أو يكون مصير مرسي مثل مصير مصدق في إيران أو تتحول مصر إلى دولة غير مستقرة سياسيا مثل باكستان أو دولة فاشلة.  

السيناريوهات المستقبلية يحددها عاملان أساسيان. العامل الأول هو مدى اكتمال أضلع الانقلاب العسكري، لأن هناك كثير من الشواهد تشير إلى أن القيادات العسكرية في الجيش ليست على أتفاق تام حول فكرة الانقلاب ولا أدلها سرعة الإطاحة بمدير المخابرات. العامل الثاني هو مدى قدرة أنصار مرسي على الاستمرار في الحشد والتظاهر السلميين والتصعيد أيضا حتى لا تتحول تجمعاتهم إلى مجرد جزء من المشهد اليومي للقاهرة .

  أخيرا يبقى سيناريو العقلاء والمصالحة الحقيقية: هذا السيناريو هو الأفضل لمصر لوقف حالة الاحتقان والمنكافة السياسية وإعلاء المصلحة العليا للوطن،  ولكن ما تجدر الإشارة إليه أن أية مصالحة لابد أن تؤسس على قواعد سليمة. فحتى يستقيم الأمر في مصر فلا بد من توفر بعض الشروط أهمها: الاتفاق على تحديد دور  المؤسسة العسكرية آجلا وعاجلا و أن تخرج من حالة الدولة داخل الدولة وأن تتحول إلى مؤسسة ملك للشعب. الشرط الثاني: أن يتم تطهير القضاء المصري والنيابة وإعادة هيكلتهما هيكلة شاملة لأنه لا يمكن أن تبنى دولة القانون تصان فيها حقوق الإنسان في ظل المنظومة القضائية القائمة والتي تتحمل معظم مآسي المرحلة الانتقالية وما قبلها. الشرط الثالث : إصلاح شامل للمؤسسة الأمنية لأن المؤسسة الشرطية والأمنية في مصر تعتبر من أسوأ المؤسسات الأمنية في العالم ولا يمكن أن تكون مؤسسة أمنية لدولة ديمقراطية  حديثة. إضافة لهذا كله لا بد للجميع أن يعترف أن الأخطاء مشتركة من الجميع حتى وإن رأى البعض أنها ليست بنفس الحجم والجرم.

****

بعيدا عن أية تنظير سياسي أو محاولة تبرير البعض لانقلاب مصر أو الانحياز التام لمرسي ومؤيديه فإن تجربة مصر الأخيرة أسست لحقائق يصعب تجاهلها.  إذا كان التيار الموالي لمرسي كجبهة الضمير الوطني التي تضم في صفوفا شخصيات سياسية من مختلف التيارات وكذالك الإخوان والتيار الإسلامي عموما  خسروا المعركة سياسيا فإنهم حتما ربحوا المعركة أخلاقيا، ليس فقط لأنهم لم يمارسوا العنف بأية شكل من الأشكال بل إن  جميع تظاهراتهم وتجمعاتهم تميزت بالسلمية وغياب لأية مظاهر غير أخلاقية، أيضا لم يستطع خصومهم السياسيون إسقاطهم سياسيا عبر الممارسات الديمقراطية  أو جرهم للعنف، بينما خسر الطرف الآخر  أو من يسمي نفسه مدنيا أخلاقيا ليس لأنه مارس العنف بكل أشكاله من الجسدي إلى اللفظي وتحالف مع رجال أعمال مبارك الذين من المفترض أن الثورة قامت عليهم، بل لأن جميع تظاهراتهم أو مليونياتهم كانت مرتعا للمخدرات ومهرجانا للتحرشات الجنسية و الاغتصاب الجماعي  كما فشلوا في إسقاط خصومهم السياسيين عبر الممارسات الديمقراطية ولم يجدوا إلا دبابات العسكر التي ألفوا أن يصلوا بها إلى سدة الحكم .

ما يجب أن يعرفه كل من ساند الانقلاب في مصر لسبب أو لآخر  أن التاريخ علمنا أن الإنقلابات لا تبني أوطانا ولا تؤسس دولا  محترمة وأن ملايير الدولارات التي تدفقت على مصر من دول الخليج لتشتري حريتهم  وكرامتهم لن تغير في حال المصريين شيئا وستذهب هذه الملايير في جيوب الفاسدين كما ذهبت مئات الملايير قبلها وإذا سكت الشعب المصري اليوم على هذا الانقلاب فإنه قد يحتاج لنصف قرن آخر حتى يستعيد الحريات التي منحتها له ثورة 25 يناير. 


Nombre de lectures: 249 Views
Embed This