DzActiviste.info Publié le ven 7 Déc 2012

مصر النخبة والإعلام مصدر السلطات … والرصاص لحل الخلافات

Partager


س.ج

 

« المعركة في الطابق العاشر والشعب في الطابق الأرضي »

مواطن مصري بسيط

 

منذ ما يربو عن سنة كتبت مقالة كان عنوانها « عندما ينقلب ثوار على الثورة » تحدثت فيها عن عدم رغبة كثير من الثوار والتيارات السياسية في مصر اللجوء إلى الشعب والاحتكام إليه على الرغم من أن الثورة أصلا قامت من أجل أن يكون الشعب مصدر السلطات. وعلى الرغم من ذلك تم  إجراء الانتخابات التشريعية ولكن المجلس العسكري ناب عن النخبة التي تسمي نفسها مدنية وقام بواجب إلغاء هذه الانتخابات بقرار لا منطق فيه من المحكمة الدستورية. قبل أن يحل البرلمان تم إصدار مجموعة من القوانين والإجراءات التي هي سبب الصراع اليوم. فلقد أصدر البرلمان قانون الانتخابات الرئاسية بحيث جعل عملية تزويرها شبه مستحيلة (اللهم إلا في كشوف الناخبين) كما قام يانتخاب جمعية تأسيسية ثانية بعد أن تم حل الأولى.

للإشارة فقط، سيناريو يكاد يكون مطابقا يحدث في تونس يديره الإتحاد العام للشغل ونداء تونس بتحالف مع اليسار والتيار العلماني.

المشهد في مصر درامي تتصدره أربعة أطراف سياسية : الطرف الأول هو التيار الإسلامي ومن معه من الوجوه الوطنية (دعاة إستقلال القضاء بشكل خاص)، الطرف الثاني تيارات سياسية شبابية ثورية ليبرالية، الطرف الثالث تيارات سياسية علمانية والكنيسة، الطرف الرابع هو النظام السابق بأشكال مختلفة.

جبهة الإنقاذ الوطني التي تم تشكيلها تذكرنا بجبهة إنقاذ الجمهورية التي تم تأسيسها في الجزائر وهي مشكلة من التيار الثالث والرابع، حيث يمثل التيار الرابع عمرو موسى والذي تحول بقدرة قادر إلى حامي للثورة.

السبب المعلن في هذه المعركة هو ما يطلق عليه الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس مرسي والذي حصن بموجبه قراراته والجمعية التأسيسية ومجلس الشورى. هذا الظاهر من الأمر، وهذا هو في الحقيقة سبب معارضة الطرف الثاني. أما جبهة إنقاذ مصر أو ما يمكن تسميته جبهة إغراق مصر فهو أن هذا الإعلان جاء ليقطع الطريق عن مخطط انقلاب دستوري- قضائي ناعم يعيد العسكر إلى الواجهة ويرجع الثورة إلى المربع الأول.

من المفيد أيضا إلقاء نظرة على المشهد الإعلامي: القنوات التلفزيونية الخاصة كلها دون إستثناء تقود حربا وإرهابا إعلاميا لا يتصوره العقل وبالاشتراك مع التلفزيون الرسمي أيضا ، هذا يذكرنا بما أقدمت عليه هذه القنوات من حملة شرسة ضد الشعب الجزائري وثورته في قصة أم درمان الشهيرة، انضمت إليهم قناة العربية التي كانت لها تغطية مخزية للثورة المصرية الحقيقية ولكنها اليوم تصور لنا أن ما يحدث هو الثورة الحقيقية. أعتقد أن تحالف هذا الإعلام المشبوه والمرتبط برجال أعمال النظام السابق وقناة العربية يعطي صورة عمن يقف فعلا وراء هذا الصراع.

المتتبع لما يحث في مصر من عمليات حرق لمقرات الإخوان في جميع المحافظات وتراجع الشرطة التام يدرك أن العملية ليست مجرد حركة عفوية بل ضمن مخطط منظم ، يذكرنا بالمخطط الأمريكي البريطاني الذي أسقطت به المخابرات الأمريكية محمد مصدق في إيران وذلك بالتحالف مع معارضة الداخل .

قد يقول قائل أن المفترض أن يكون الدستور توافقيا وأن يشارك فيه الجميع. هنا للأسف وربما كل متتبع محايد للشأن المصري يعرف أن الجمعية التأسيسية الثانية تم تشكيلها باتفاق جميع القوى السياسية في مقر حزب الوفد الليبرالي. وعندما وصل الأمر إلى اختلاف حول مقعدين تنازلت الجماعة الإسلامية (الإرهابية سابقا!) عن مقعديها لصالح ما يسمي التيار المدني. أنجزت هذه الجمعية مسودة الدستور الحالية بتوافق شبه تام وفي آخر المطاف وقع الخلاف حول بعض المواد ونظرا لكثرة تراجع بعض الأطراف من التيار المدني عن اتفاقاتها السابقة قرر الجميع أن يتم  تدوين الاتفاقات كتابيا وأن يمضي جميع الأطراف وهذا ما حدث فعلا. لكن فجأة انسحبت مجموعة ودون سابق إنذار ليبدوا بعدها أسبابا متعددة. ضمن هذه المجموعة كان ممثلو الكنيسة ثم ليأتي الإعلان الدستوري لتتعزز الانسحابات لتصل إلى 15 عضوا.

والسؤال هو لماذا انسحبت هذه المجموعة فجأة وفي آخر لحظة بعد أن أصبحت عملية ميلاد الدستور قاب قوسي أو أدنى؟

دعنا نقول أولا أن القارئ للدستور المصري يجده دستورا رائعا في كل جوانبه تقريبا. وحتى وإن أختلف المرء مع بعض مواده فإن هذا الأمر لا يخرج من نطاق الاختلاف في الاجتهادات، فالدستور جاء ليؤسس لقيمة الحرية والكرامة الإنسانية وكذلك يؤسس لنظام حكم مختلط بين البرلماني والرئاسي. لكن يبدو أن أحد نقاط الاختلاف الأهم هي المتعلقة بتفسير مبادئ الشريعة الإسلامية في المادة الثانية. وهنا طالبت القوى المدنية، بمن فيهم الكنيسة، أن يفسرها الأزهر وعندما فسرها الأزهر ورضي الجميع عادت هذه القوى لتنكص على عقبيها. وكدليل على عدم قدرة التيار المعارض للدستور على إقناع الشعب بسوء هذا الدستور فإنهم لجئوا لكتابة نسخ مزورة وتوزيعها، بل إننا لا نكاد نجد شخصا يناقش مواد الدستور بالتفصيل بل مجرد حكم عام، والأدهي من ذلك هو تصريح أحد المنسحبين لصحفي ليبرالي حيث قال أن هذا الدستور من أورع الدساتير، ولكننا نريد إبتزازهم:( المرجع: مقال وائل قنديل في جريدة الشروق).

السؤال الملح الآن: هل كان أمام الرئيس المصري حل آخر غير هذا الإعلان الدستوري الذي اتخذته هذه التيارات شماعة للتحالف مع أعمدة النظام السابق وتدخل في حرب مسلحة ضد الإخوان ومقراتهم في ظل تواطؤ واضح من الشرطة التي طالما طالب من يسمون أنفسهم ثوارا بالاقتصاص من قيادتها؟ 

إنه فعلا مشهد درامي، القوى التي طالما تاجرت بدماء الشهداء وطالما طالبت بإقالة النائب العام وإعادة محاكمة قيادات الداخلية ورموز النظام السابق تقف اليوم في وجه من حقق كل هذه المطالب، لا وبل تتحالف مع قيادات النظام السابق وأحزاب عرف عنها أنها صنيعة النظام السابق (الوفد، التجمع..الخ) وهذه القيادات هي من يمول البلطجية في كل مكان. وهذه هي المفارقة العجيبة لما يحدث في مصر اليوم. نفس البلطجية الذين قتلوا المتظاهرين في ميدان التحرير في ثورة 25 يناير هم أنفسهم من يهاجم مقرات الإخوان ويتظاهر ضد الإعلان الدستوري. لا معنى هنا للاتفاق أو الاختلاف مع الإخوان فهذه قضية أخلاقية.

للإجابة عن سؤال الإعلان الدستوري دعنا نذكر أولا أنه لا يمكن لأية ثورة أن تنجز شيئا إذا هي استعملت الآليات القانونية الموروثة عن النظام الذي أسقطته الثورة. لأن الثورة هي تعريفا هدم لقانون وبناء لقانون جديد. من ناحية أخرى والأهم في المشهد كله أن المحكمة التي تدير الصراع اليوم هي المحكمة الدستورية التي تم تعيين جميع أعضائها من مبارك، ورئيسها الحالي تم تعينه قبل استلام مرسي الرئاسة بأيام من طرف المشير الطنطاوي. كما أن نائبة الرئيس هي محامية سابقة لسوزان مبارك (بتوكيل موثق) وهذا مشهد وحده كاف ليعطي صورة عن استحالة  بناء نظام ديمقراطي حقيقي في ظل تحكم محكمة النظام السابق. وكدليل على عبثية المشهد القانوني في مصر نذكر أن محكمة النقض في مصر مازالت تنظر إلى اليوم في قضية طلب إرجاع مبارك لكرسي الرئاسة والحكم مؤجل لليوم 11 فيفري!

من ناحية أخرى هناك تحالف واضح بين التيار الليبرالي والقومي واليساري المعارض للإسلاميين والنظام السابق لإفشال التجربة الحالية ومنع خروج دستور يحكم العملية السياسية، لأنهم ربما وصلوا إلى قناعة أن وصولهم إلى الحكم لن يكون عبر الصناديق بل عبر الانقلابات كما حدث في الجزائر، وهو إفلاس ما بعده إفلاس، لأنه ليس من المستبعد أن يفشل الإخوان في مصر وتكون فرصة لغيرهم في الحكم. فالتركة ثقيلة ولا يستطيع فصيل سياسي واحد أن يتحملها.

لهذا فخيارات الرئيس مرسي محدودة جدا فهو إما أن يترك المحكمة الدستورية تلغي كل شيء وتقلب الطاولة وتعيد العسكر أو أن يواجه العملية بهذا الإعلان الدستوري. القول بأن الإعلان الدستوري يؤسس لديكتاتورية جديدة هو كلام فيه تدليس كبير لأن مدة هذا الإعلان محدودة بالاستفتاء على الدستور ولا يمكن صناعة ديكتاتور في أسابيع أو أيام.

الملاحظ أيضا أن جميع القضاة الشرفاء الذين طالما طالبوا باستقلال القضاء وكشفوا تزوير الانتخابات في ظل حكم مبارك هم من يقفون في هذه المعركة مع الرئيس. ومن ناحية أخرى نجد جميع القضاة الذين عرف عنهم الفساد والتحالف مع نظام مبارك والذين كانوا يقودون عمليات التوريث في القضاء. لهذا فإن المعركة هنا واضحة.

من ناحية أخرى، لا يمكن أن يفهم عاقلا لماذا يرفض المعارضون لمرسي الذهاب إلى الاستفتاء؟ أوليس الشعب هو مصدر السلطات؟ أوليس هذا هو الهدف الذي قامت من أجله الثورة؟ هل فعلا الدستور كارثي لهذه الدرجة؟ أو لم يتكلم العقلاء وصرحوا أن الدستور أروع دستور عرفته مصر ومن أفضل دساتير العالم؟

هل يعتقد الذين يريدون أن يسقطوا الرئيس وهدم المعبد أن بإمكانهم إدارة الصراع بوسائل الشارع ؟ أعتقد أنه إذا تم إسقاط مرسي واللجوء إلى الشارع فإن مصر لن تعرف رئيسا لسنوات أو ستعود إلى حكم العسكر والاستبداد. لأن الاحتكام إلى منطق الحشد والحشد المضاد لن ينتصر فيه دعاة إسقاط مرسي اليوم، كما أن المشهد قد يشهد إنفلاتا كبيرا إذا تم تقلب الطاولة لأن هناك قطاعا عريضا من الشباب المنتمي للتيار الإسلامي والذي آمن بالنظام الديمقراطي سيجد نفسه أمام حاجز غير قانوني يمنعه من ممارسة حقه في اختيار من يحكمه ولن يكون مستبعدا أن ينجر هذا الشباب إلى ممارسة أعمال انتقامية مسلحة تدخل مصر في فوضى أمنية يدفع ثمنها الجميع ويكون الليبراليون أول ضحاياها. وليس مستبعدا إن انتصر الإسلاميون في هذه المعركة أن يلجئوا إلى سياسة الإقصاء والانتقام وهو ما قد يؤسس لنظام استبدادي أيضا وسيكون الوطن هو الخاسر الأكبر.

من المؤكد أن هناك أطرافا داخل مصر لا تضع المصلحة الوطنية في حسبانها وتحركها أجندات إماراتية-سعودية –إسرائيلية- أمريكية، بل إن مركز قيادة ما يحدث في مصر اليوم يتواجد في الإمارات، وهو أمر لم يعد مخفيا ويصرح به حتى قائد شرطة دبي المدعو خلفان. كما أن أطرافا سياسية لن يضرها شيء إذا انفلت الوضع في مصر  لأن تواجدها الحالي في مصر هو مجرد تواجد ظرفي، ويأتي على رأس هؤلاء البرادعي.

من ناحية أخرى، يوجد عقلاء في جميع الأطراف وهم المنوط بهم اليوم تفويت الفرصة على من يريدون إفشال هذه التجربة الوليدة.

السؤال الأهم والأخطر في هذه المعركة هو : ما هو موقف الجيش والولايات المتحدة؟ في الحقيقة هذان الموقفان هما من سيجددان كثيرا من قواعد اللعبة وهما على ارتباط. فإذا كان الجيش يؤمن بما يقوم به مرسي اليوم ويؤيده في خطواته فإن الأيام المقبلة ستشهد تراجعا لموقف معارضي مرسي لأن خياراتهم محدودة ولا يمتلكون قدرة كبيرة ومؤثرة على حشد الشارع وربما لجوئهم لاستعمال البلطجية والعنف هو دليل على الإفلاس الشعبي وقد ينجم عليه انقلاب شعبي كبير ضدهم.

لهذا فإن ملاذهم الوحيد هو أن يصطف معهم الجيش وإن لم يفعل فإن رهانهم الوحيد سيكون على قدرتهم على حشد قطاعات عريضة من الشعب للتصويت بلا لهذا الدستور لأنه إذا حصل الدستور على قبول نسبة 60% أو أقل فإنهم سيكونون قد حققوا مكسبا كبيرا، ويعني أنهم يمثلون شبه أغلبية وسيكون  أمرا محرجا للتيارات الإسلامية. ما يستغربه المرء هنا هو أنه من المفترض أن تكون التيارات المعارضة لمرسي مطمئنة على رفض الشعب للدستور إذا كانت نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة معبرة فعلا عن الشعب. لأن مرسي لم يحصل إلا على 53 % من الأصوات بينما شفيق ومن ورائه النظام السابق وعمرو موسى وصباحي والمسيحيين حصل على 47%. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن كثيرا ممن أيدوا مرسي في وجه شفيق يعارضون الدستور اليوم فإننا أمام نتيجة غير محسومة. اللهم إلا إذا كانت تلك الانتخابات الماضية غير معبرة حقيقة عن رأي الشعب. وهنا لا يجب أن ننسى أن اللجنة المشرفة عن تلك الانتخابات رفضت رفضا تاما تسليم كشوف الناخبين للمرشحين للرئاسة وهو ما طرح علامات استفهام كبيرة.

أما الموقف الأمريكي فهو مرتبط بموقف الجيش. فبدون شك لأمريكا دورا كبير فيما يحدث وسيحدث. وأعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية وإن كانت ترغب في الانقلاب على مرسي إنقلابا ناعما فإنها حتما لا يخدمها انفلات الوضع هناك لأن ثمنه سيكون غاليا على إسرائيل والعالم. فلو انفلت الوضع الأمني في مصر فإن إسرائيل تصبح أمام جبهة مفتوحة ومنفلتة مما يدفع بالكثير من الإسلاميين إلى توجيه غضبهم لتلك الجبهة وتتحول إلى منطقة جهاد مقدس. كما أنه لا يجب أن ننسى أن مصر تتحكم في أهم معبر بحري في العالم وإذا انفلت الوضع فإن آثاره ستكون كارثية على اقتصاديات الدول. لهذا فإن أمريكا ليس من مصلحتها ولا مصلحة إسرائيل إسقاط نظام مرسي إلا إذا ضمن الجيش عدم انفلات الوضع الأمني وهو ما يصعب التنبؤ به.

أخيرا، أختم المقالة بجملة لمواطن مصري عبر فيها عن عبثية المشهد في مصر حيث قال بلغته المصرية البسيطة « المعركة قي الطابق العاشر والشعب في الطابق الأرضي »..اللهم احفظ مصر من كل سوء.


Nombre de lectures: 206 Views
Embed This