DzActiviste.info Publié le mar 24 Déc 2013

مصر بين ثورتين ودستورين

Partager

س.جEgypte Coup d'Etat9

 

المتابع للشأن المصري يجد نفسه أمام أغرب رواية في تاريخ البشرية. فما يتم تسويقه رسميا وإعلاميا ومن طرف كثير من النخب أن هناك شعبا قام بثورتين في أقل من ثلاث سنوات وأن الثورة الثانية جاءت لتصحح مسار الأولى وتحقق أهدافها، وإلى غاية هنا يمكن استساغة الأمر وتقبله، على الرغم من أن التاريخ لم يعرف حدثا شبيها، ولكن عليك أن تتقبل أيضا أن من قاموا بالثورة الثانية هم من قامت عليهم الثورة الأولى وأن من قتل ثوار الثورة الأولى هو نفسه من ثار ليحقق أهداف هذه الثورة في ثورة ثانية، وأن كل من هاجم الثورة الأولى  احتفى بالثورة الثانية . عندما ترى من يدافع عن وجهة النظر هذه أو يستسيغها  و ربما  هناك من يصدقها على حسن نية فإنك تتذكر مقولة آينشتاين: شيئان لا نهاية  لهما، غباء  الإنسان والكون، ولو أني لست متأكد من الأخير.

في الحقيقة أعرف أن كثيرين اليوم تأكدوا أن  ما حدث كان انقلابا لإعادة واستنساخ نظام مبارك ومحاكمة ثورة 25 يناير، ولكن أعرف أيضا أنه من الصعب على النفس البشرية أن تعترف بخطئها وسيحاول الكثيرون أن يسوغوا  تأييدهم لما حدث فيكرروا أسطوانة أخطاء الإخوان، على الرغم من أن كثيرين ومنذ الوهلة الأولى وقبلها حذروا من أن ما يحدث وسيحدث  فضيع ولا علاقة له بأية تغيير إيجابي وأن القضية ليست قضية دفاع عن الإخوان. 

ما سأتناوله في هذا المقال هو وثيقة الدستور الجديد . كثيرون أو أغلب معارضي الانقلاب لم يقرئوا الدستور الجديد كله، بل وأجزم أن أغلب مؤيدي الانقلاب لم يقرئوه ولكن ما سأفعله هنا هو أن أبرز ما أراه أخطر ما احتواه الدستور وهو الكفيل ليبين سبب الانقلاب، لأن هذه الوثيقة الدستورية هي تعبير عما جرى في 3 يوليو.

دعني أقول بداية أنه كان للكاتب موقف سلبي من بعض مواد دستور 2012، أو دستور الإخوان كما يحلو للبعض أن يسميه ، ولكن كان رأيي أن دستور 2012 دستور يؤسس لدولة ديمقراطية  على الرغم من هذه العيوب وكان معبرا عن توازنات سياسية واجتماعية و عملية ابتزاز تبين فيما بعد أنها أديرت بإحكام وكان أحد أطرافها حزب النور السلفي والأزهر.

كان من المفترض أن تقوم لجنة الخمسين والتي أقتصر تشكيلتها  تقريبا على التيار الليبرالي و دعاة الحرية والديمقراطية بتعديل دستور 2012 بشكل يزيد من مجال الحريات ويؤسس لدولة ديمقراطية مدنية ويتفادى عيوب دستور 2012 ، ولكن المفارقة أنه باستثناء تعديل واحد سنأتي على ذكره فإن بقية التعديلات والمواد المضافة  جاءت كلها لتؤسس لدولة عسكرية وتحول الدولة المصرية إلى مجموعة من المؤسسات المستقلة بذاتها خارج أية سلطة أو رقابة شعبية، أو بعبارة أخرى مجموعة من الدويلات المستقلة داخل الدولة تجمعها مصلحة واحدة هي الحفاظ على نفوذها ومصالحها وتحمي بعضها البعض وهو ما يجعل دستور  2013 من أغرب الدساتير  وفريد من نوعه في العالم .

 

في الحقيقة لا يهم الكاتب مواد الشريعة والهوية ولا يعتبرها ذات أهمية جوهرية ويمكن الاستغناء عنها، لأنه  إذا كان الشعب هو صاحب السلطة فإنه سيصنع هويته وقوانينه وشريعته إذا حصل على حريته، لهذا لن أتعرض لأية مواد  تم حذفها  أو تعديلها تتعلق بالشريعة والهوية أو الأخلاق، فمن وجهة نظر الكاتب ليست مؤثرة لا سلبا ولا إيجابا، ولن أتعرض لتفخيخ مجتمع أغلبيته مسلم ومحافظ بمادة المساواة بين الرجل والمرأة والتي ستكون محل جدل دستوري ويمكن للمحكمة الدستورية أن تفسرها كما شاءت . كما لن أتعرض إلى الثغرات الدستورية، ربما متعمدة، والتي لا يتم الحديث عنها، ربما لأن الفقهاء الدستوريين الجادين يرفضون العملية برمتها، وهي ثغرات تفاداها دستور 2012. أما مادتي مكافحة الإرهاب والقوانين والمعاهدات الدولية فهي ربما جاءت لتدستر انخراط النظام الجديد في مكافحة الإرهاب بالمفهوم الأمريكي الإسرائيلي ووضع الشعب المصري تحت الرقابة الدولية.

أيضا اللافت للانتباه هو الفرق الشاسع بين ديباجتي دستور 2012 ووثيقة الخمسين شكلا ومضمونا . فبينما جاءت ديباجة دستور 2012 التي صاغها الشاعر والكاتب فاروق جويدة (معارض لمرسي وللإخوان وكان من مؤيدي انقلاب 3 يوليو ) بلغة  عربية جميلة وقوية ومعبرة عن ثورة 25 يناير فإن  وثيقة الخمسين  جاءت  بلغة ركيكة الإنشاء وسطحية التعبير، بل احتوت عبارات توحي عند قراءتها أنك بصدد قراءة نص إنشائي لتلميذ متشدق ذو لغة ركيكة و احتوت عبارات لا تستطيع أن تتمالك نفسك من الضحك وأنت تقرأها ولتدرك أن أول القصيدة كفر. 

من باب الإنصاف الإشارة إلى التعديل الإيجابي الوحيد تقريبا (من وجه نظر الكاتب) والذي كان أحد عيوب دستور 2012 والذي كان ينص على أن يأخذ البرلمان رأي هيئة كبار علماء الأزهر في الشئون المتعلقة بالشريعة الإسلامية. وهذا التعديل إيجابي لأنه لا يمكن لهيئة غير منتخبة أن توجه هيئة منتخبة أو تعدل قوانينها أو تعترض عليها.  ولكن سيتبين فيما بعد أن هذا التعديل لم يتم استحداثه رغبة في إعلاء الهيئات المنتخبة ولكن خوفا من عدم السيطرة على هيئة كبار العلماء والدليل هو الإبقاء على أن شيخ الأزهر غير قابل للعزل وهو أمر معيب أيضا من عيوب دستور 2012.

 

مما عابه الليبراليون ومعارضو الإخوان على دستور 2012 هو أنه منح رئيس جمهورية صلاحيات واسعة ، وعلى الرغم من أن هذا الأمر مبالغ فيه تماما عند الحديث عن النظام المختلط إلا أن المفارقة أن لجنة الخمسين زادت في صلاحيات الرئيس . فمثلا في دستور 2012 كان لا يحق لرئيس الجمهورية حل البرلمان إلا عبر مسببات واستفتاء الشعب وفي حالة رفض الشعب لحل البرلمان فإن الرئيس يستقيل من منصبه، بينما في دستور 2013 فلا تؤثر نتيجة الاستفتاء على موقع الرئيس. من ناحية أخرى فإن وثيقة الخمسين   أعطت للرئيس حق إصدار القوانين وهو ما لم يمنحه له دستور 2012 والذي اكتفى بمنحه حق الاعتراض على القوانين التي لم تحصل على موافقة الثلثين .

أيضا من غرائب وثيقة الخمسين أن نتائج أية استفتاء لم تعد ملزمة للسلطة الحاكمة، فهذه الفقرة حذفت من نسخة  2012 وهو أمر يطرح تساؤلا كبيرا  عن سبب حذف الجزء الذي كان يجعل من نتائج الاستفتاءات ملزمة للسلطة الحاكمة.

 

في الحقيقة إذا أردنا أن نلخص وثيقة الخمسين فيمكن أن نلخصها أنها جاءت لتدستر وتحصن منظومة الفساد وتخلق دولة للجيش فوق الدولة برفقة مجموعة دويلات مستقلة داخل الدولة وهذا من خلال بعض المواد لا  تتعدى أصابع اليد. من ناحية أخرى تم تفريغ السلطة التشريعية المنتخبة من محتواها  وكذلك  محاصرة أية وزير يأتي عبر انتخابات وذلك عبر  استحداث منصب وكيل وزارة دائم ومعين (أمين عام)،  وهذا أمر غريب جدا ولا يوجد في أية دستور في العالم،  فأية وزير يأتي عبر إرادة شعبية يجد وكيل وزارة مسيطر على دواليب الوزارة ولا يمكنه تغيره أو التحكم فيه . مما يوحي أن السلطة القائمة لا تثق في قدرتها على التحكم في نتائج الانتخابات القادمة على رغم كل التحصينات و لا ترغب  في أية مفاجئات.

الدويلات التي نقصدها هنا  تتمثل في المحكمة الدستورية العليا، والهيئات القضائية الأخرى، والشرطة. في الحقيقة هذه المؤسسات تم تحصينها بشكل يجعلها خارج نطاق أية رقابة شعبية ويمكنها من حماية بعضها البعض دستوريا وقانونيا.

الحديث عن وضع الجيش ووزير الدفاع في وثيقة الخمسين أصبح معلوما لدى الجميع ولا أرى جدوى من تكراره.ولكن قد يقول قائل أن دستور 2012 أيضا منع وضعا خاصا للجيش وهذا صحيح ولكن هناك فرق بين منح وضع خاص  وخلق دولة فوق الدولة، ولو كان وضع الجيش في دستور 2012 كافيا لبقائه خارج الرقابة والسلطة المنتخبة لما حصل انقلاب، لأن قادة الجيش أدركوا أنهم قد يفقدوا كل مزاياهم في بضع سنين وربما شهور إذا استمرت العملية الديمقراطية.

 

الدويلة الأولى التي استحدثتها وثيقة الخمسين هي دويلة المحكمة الدستورية العليا. فلقد  أضحت المحكمة الدستورية مستقلة بميزانيتها، والأهم أنه لا يمكن تعديل أو إصدار أية قانون خاص بها إلا بعد أخذ رأيها، مما يعني أنها هي المتحكم في التشريعات الخاصة بها مما يجعلها محصنة تماما من أية رقابة ويجعلها تتغول عن أية سلطة تشريعية منتخبة . قد يقول البعض أن الآخذ برأيها لا يعني أن رأيها ملزم ولكن للأسف تفسير الدستور يتم عبر المحكمة الدستورية وهي ستحكم  بعدم دستورية أية قانون يصدر ولا توافق عليه تبعا لنص المادة التي تجبر البرلمان أن يستشير المحكمة الدستورية في القوانين الخاصة بها.

الدويلة الثانية هي الهيئات القضائية الأخرى والتي أصبحت محصنة  ماليا وقانونيا بنفس شكل المحكمة الدستورية.

الدويلة الثالثة والأخيرة والمهمة، والتي يبدو أن كثيرين لم ينتبهوا لها هي الشرطة أو الداخلية، فلقد أعادت وثيقة الخمسين المجلس الأعلى للشرطة وجعله مختصا بإبداء رأيه في القوانين الخاصة بالشرطة وهو ما يجعلها محصنة تماما من أية قوانين أو رقابة تؤدي إلى تطهيرها أو إصلاحها.

في الحقيقة من غرائب وثيقة الخمسين أنها جعلت جميع المجالس القومية والهيئات المعينة صاحبة الشأن في إبداء الرأي في القوانين الخاصة بها وهو مما يغل من سلطات البرلمان المنتخب ويحولها إلى سلطة شكلية.

لهذا فإننا أمام دستور يؤسس لمنظومة فساد واستبداد محكمة، بحيث يكون الجيش هو رأس السلطة الحقيقي والمتحكم في منافذ الاقتصاد والسياسات العامة والكبرى و تكون الشرطة يده في المجتمع والجميع محصن عبر القضاء، فالقضاء محصن من أية عملية إصلاحية عبر المحكمة الدستورية التي ستحكم بعدم دستورية أية قانون لا يوافق عليه القضاة والمحكمة الدستورية هي الحاكمة لنفسها والمفسرة لقوانينها ومواد الدستور، وهكذا تكتمل الدائرة و يناقض الدستور نفسه، فمادته الرابعة تنص على أن السيادة للشعب وهو مصدر السلطات. ولكن لعل هذا التناقض يزول إذا تذكرنا أنه في مصر شعبان والشعب المقصود في هذه المادة هو شعب 30 يونيو. 

 


Nombre de lectures: 162 Views
Embed This