DzActiviste.info Publié le ven 21 Déc 2012

مصر : دستور، بلطجة قضائية وإعلامية

Partager

س.ج

« تاريخيا الثورات تسقط القوانين، في مصر القوانين تسقط الثورة »

بعد  خروج مئات الآلاف من شباب مصر في ثورة 25 يناير واحتلالهم لميدان التحرير وانسحاب الشرطة التام استعان النظام بجيش من البلطجية والقناصة للقضاء على معتصمي التحرير من أجل فض اعتصامهم ووأد الثورة في مهدها ولكنه فشل. سقط رأس النظام وفشلت محاولة إعادة هذا الرأس في الانتخابات الرئاسية الماضية. لم يستطع النظام المصري استعادة رأسه لغاية اليوم وبدأ يفقد شيئا فشيئا أطراف جسده، لكن ما يحدث هذه الأيام في مصر يعتبر أخطر وأكبر معركة يقودها النظام من أجل استعادة المبادرة والالتفاف عن الثورة مستغلا عوامل عدة، أهمها الخلافات الإيديولوجية والأخطاء المتعاقبة لشركاء الثورة بكل اتجاهاتهم.

(1)

حالة الاستقطاب والخلاف في مصر اليوم لا علاقة لها بمحتوى مسودة الدستور بقدر ارتباطها بحسابات سياسية أخرى.  وهنا ربما نشير إلى أن مشروع الدستور المصري الذي يتم الاستفتاء عليه وحسب شهادات خبراء محايدين من الغرب والشرق يؤسس في كل الأحوال إلى نظام ديمقراطي يسمح بالمحاسبة والتداول السلمي على السلطة وفصل السلطات ويضمن الحريات بشكل لا يوجد في أرقى دساتير العالم وهو قابل للتعديل.  وإذا أردنا التدقيق أكثر فإن الخلاف الرئيس حول الدستور يتلخص في ثلاث مواد لا تعتبر من الدستور بل أتت ضمن المواد الانتقالية ، وهذه المواد هي 1) المادة الخاصة بتفسير مبادئ الشريعة التي قدمها الأزهر 2) المادة التي تنص على أن يتم الرئيس الحالي فترته الرئاسية في ظل الدستور الحالي 3) المادة الثالثة هي مادة العزل السياسي التي تنص على حرمان  قيادات الحزب الوطني وكل من ترشح على قوائمه في انتخابات 2005 و2010.

يمكن تفهم اعتراض قطاع من الشعب (العلمانيين واليساريين ورجال الفن والأقباط ) لهذا التفسير لمبادئ الشريعة. أما مادة الرئاسة فالخلاف عليها يأتي من باب طمع بعض المرشحين في إعادة الانتخابات مرة أخرى لعل الحظ يحالفهم هذه المرة نظرا لحالة الانقسام التي شهدتها الانتخابات بين مرسي وشفيق أو إمكانية استعادة رأس النظام عبر شخصية أخرى (عمرو موسى). أما مادة العزل السياسي فهي المادة التي رفعت فعلا نسبة الرفض  للدستور وحركت ما يسمى بالدولة العميقة نظرا لقدرة فلول النظام السابق عن الحشد وارتباط الأمر بولاءات عائلية لها جذور ترسخت عبر عقود الاستبداد. اللافت للنظر أن التيارات الليبرالية والعلمانية ترفض وجود مادة العزل السياسي وذلك لقناعتهم أن فلول النظام السابق هم الأقدر على منافسة الإسلاميين في المواعيد الانتخابية القادمة.

طبعا هناك صراع هوية يقوده بعض العلمانيين تحت غطاء حقوق الإنسان وحرية بناء دور العبادة لغير أصحاب الأديان السماوية، وهذا ما صرح به البرادعي، لكن هذا الأمر لا  تثيره  النخب في مصر بشكل علني لأنه من الصعب تسويق هذا الصراع في مجتمع تغلب عليه الهوية العربية الإسلامية. كما أن هناك تيارا إسلاميا متطرفا يرفض الدستور لأنه في رأيهم علماني ولا ينتصر للشريعة.

نتائج المرحلة الأولى من الاستفتاء على الدستور جاءت في الحقيقة معبرة عن حالة الاستقطاب الاجتماعي في مصر، والذي تعبر عنه ثلاث جهات كبرى. الإسلاميون ومن يقف معهم من الشعب المصري، التيارات المعارضة للإسلامين بكافة اتجاهاتها والمتحالفة مع الأقباط والكنيسة الأرثوذكسية، والطرف الثالث هو الجزء المنحاز للنظام السابق والذين ترتبط مصالحهم المالية والاقتصادية بضرورة بقاء منظومة الفساد على حالها.

هذه الفئات الثلاث هي التي حددت نتائج الاستفتاء في المرحلة الأولى والتي أشارت إلى تراجع نفوذ الفلول إذا قارنا النتائج بنتائج الرئاسيات الأخيرة وربما سترفع المرحلة الثانية من نسبة الموافقة على الدستور بالنظر إلى نتائج الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية. لأن الاستفتاء الحالي هو بطعم الانتخاب وأقرب إلى الاستفتاء على مرسي وقابلية الشعب لحكم الإخوان أكثر منه استفتاء على الدستور.

مشروع الدستور المصري في الحقيقة ظلم كثيرا وشنت عليه حربا إعلامية لا مثيل لها، حربا أهدرت فيها  أبسط أخلاقيات المهنة وتحولت إلى بلطجة إعلامية ووصل الأمر إلى نشر بعض القنوات التلفزيونية والجرائد مواد الدستور بشكل مغلوط في مشهد صادم وإن لم يكن مفاجئا إذا عرفنا من يقف وراء هذا الإعلام ومدى ضعف حجة معارضي الدستور. هذا المشهد عبر عنه أحد الصحفيين الكبار في مصر والعالم العربي قائلا إن أكبر حزب معارض لمرسي والإخوان هو حزب الإعلام المصري. نشير هنا إلى التحاق الإعلام الخليجي كله ، باستثناء الجزيرة، وخاصة السعودي والإماراتي بركب حملة تشويه الدستور والرئيس .

 الإعلام المصري الخاص كله تقريبا مملوك للرجال أعمال من صناعة النظام السابق والمعروف فسادهم وطرق جمعهم لهذه الأموال. يضاف إلى هذا ثلة من إعلاميين لم يكن يسمع لهم صوت أيام مبارك والذين تحولوا اليوم إلى ثوريين ومدافعين عن حرية الإعلام.

قد يقول قائل أن المفترض في الدستور أن يكون توافقيا، لكن هذه مثالية بعيدة جدا عن واقع الحال. فلو تمعنا في الأجر جيدا لأدركنا أن أي  دستور ثوري لن يحصل على تأييد قطاع عريض من الشعب، وهذا  لأسباب عدة أهمها أنه من الخطأ تصور أن الأنظمة المستبدة ليست لها شعبية. كما أن هناك قطاع عريض ممن استفادوا من هذا النظام سيقفون في وجه أي دستور ثوري وهو ما قد يصل  بنسبة الرفض إلى 30 %. إذا أضيف لهذا الوضع الاختلاف الإيديولوجي فإن الأمر قد يصل إلى نصف المجتمع وهو ما حصل في مصر. الشاهد التاريخي أن إقرار الدساتير في العالم خلال مراحل التحولات الكبرى لم يتعدى في أحسن الأحوال 61 %، فالدستور الفرنسي عام 1946 تم إقراره بنسبة 53% ودستور 58 بنسبة 65%. أما الروسي عام 1993 فوافق عليه 58.4%، وفي عام 1997 وافق 53.5% على الدستور البولندي و الدستور الألماني بعد سقوط النازية لم تتعدى نسبة إقراره 60%.

(2)

الأمر الأخطر في المشهد المصري هو الدور الذي يلعبة قطاع عريض من القضاة.  لابد من الإشارة هنا إلى أن مصر تختلف عن باقي الدول العربية بامتلاكها منظومة قضائية طالما عرفت قضاة مستقلين وطالما وقف هؤلاء القضاة حصنا منيعا أمام محاولات التركيع وطالما أصدروا أحكاما معاكسة لإرادة من حكموا مصر عبر عقود، ابتداء من المستشار السنهوري إلى طارق البشري ووصولا إلى حسام الغرياني ومحمود مكي وهشام البسطويسي (ليبرالي)، وهو ما دفع الأنظمة المتعاقبة إلى محاولة تركيعه بطرق مختلفة كان أولها إنشاء المحكمة الدستورية العليا من طرف جمال عبد الناصر. نظام مبارك سلك مسلكا آخر في إفساد القضاء عن طريق ما يعرف بمسلسل التوريث القضائي. فلقد دأبت مجموعة من القضاة الفاسدين والذين أصبحوا يسيطرون على طرق التعيين في سلك القضاء والنيابة وراحوا يحرمون لسنوات عدة المتفوقين من كليات الحقوق من التوظيف وفتحوا باب التوظيف لأبنائهم وأقربائهم ومعارفهم وحتى أصحاب السوابق العدلية ومتعاطي المخدرات من الطلبة غير المستوفين لشروط التعيين. هذا الأمر حول جزءا كبيرا من القضاة إلى بؤرة فساد. هؤلاء القضاة ووكلاء النيابة هم من يديرون الحرب بالنيابة عن النظام السابق ويمارسون ما يمكن تسميته بلطجة قضائية.

الغريب في الأمر أن هؤلاء القضاة جميعا لم يكن يسمع لهم صوت عندما كانت الانتخابات تزور في مصر والقضايا تلفق ويداس على قرار المحاكم من طرف نظام مبارك. بينما نجد قضاة ما يعرف بتيار الاستقلال يقفون في صف مشروع الدستور وشرعية الرئيس الحالي، وهم من وقفوا وكشفوا تزوير الانتخابات سنة 2005 و 2010 والغوا نتائج العديد من الدوائر وأصدروا أحكاما شهيرة لصالح المواطن والوطن لم تكن على هوى النظام السابق.

الأمر لا يحتاج إلى كثير من التعمق ليدرك المرء أن ما يقوم به هؤلاء القضاة هو جزء من الثورة المضادة وحماية لمصالح دولة ونظام مبارك ولا علاقة له باستقلال القضاء. ولا أدل على ذلك من أن الذين حاصروا النائب العام مؤخرا هم من أبناء قضاة وأبناء أقربائهم من الذين وصلوا هذا المناصب بطرق غير قانونية ولو تم إعادة فتح ملفات طرق توظيفهم لتغير المشهد كثيرا. لهذا فبالإضافة إلى حزب الإعلام تشكل حزب سياسي آخر معارض يمكن تسميته حزب القضاة. ففي مصر اليوم أصبح اختيار الدوائر القضائية التي يتم رفع القضايا المتعلقة بالسياسة أمامها يعتمد على التوجه السياسي والإيديولوجي للقاضي الذي يرأس الهيئة في تلك الدائرة. لهذا فقد تحول القضاء في مصر إلى مستنقع قد يغرق مصر برمتها. وهنا نشير إلى مسلسل البراءات التي حصل عليها رجال الشرطة من قتلة الثوار وآخرها إعادة محاكمة رجل الأعمال أحمد عز، الأمر الذي دفع الشباب المصري بتشبيه المشهد بمهرجان البراءة للجميع.

(3)

الخطير في المشهد المصري هو عملية التحالف المستهجن بين التيارات السياسية من علمانيين وقوميين وليبراليين وناصريين ويساريين مع رموز النظام السابق وفلوله من أجل إسقاط مرسي وإرباك المرحلة الانتقالية وهدم المعبد على الجميع.

إذا كانت الخلافات الإيديولوجية والسياسية أمرا مقبولا وكذلك الأخطاء التي يرتكبها كل طرف، أما الخطير فهو صعوبة التمييز بين من كان ثائرا ضد نظام مبارك ومن هو جزء من الثورة المضادة. كما أن ما يقوم به معارضو التيار الإسلامي في مصر تجاوز مسألة الخلاف والاجتهاد ليصل درجة الإجرام باستعمالهم العنف أو إعطاء المسوغات والتبريرات له مستغلين في ذلك تواطؤ الداخلية وجهات أمنية عديدة والإعلام وتستره على ضخامة هذا العنف. هذا العنف الذي طالما ألصق بالإسلاميين هاهو اليوم سمة ووسيلة خصوم الإسلاميين.

مسارا الثورة المصرية والتونسية متشابهان إن لم يكونا متطابقين وهما أمام مفترق طرق خطير وقد تشهد الأيام المقبلة سيولة أكثر وربما انجرارا للعنف، هذا العنف الذي فشلت دوائر كثيرة  في جر الإسلاميين إليه في مصر، ولكن قد ينجحون إذا أستمر مسلسل انهيار القضاء والأمن، وما عملية الاعتقال الوحشية التي تم فيها مداهمة بيت شاب من أنصار حازم أبو إسماعيل والاعتداء على والدته فجرا إلا محاولة لجر الإسلاميين المتحمسين لمسلسل العنف الذي تجيد الأنظمة اللعب على وتره وسيصبح هذا العنف إرهابا إذا قام به إسلاميون بينما هو اليوم يصور إعلاميا على أنه جزء من الثورة لأن من يقوم به غير إسلاميين (إذا جاز التصنيف). عملية الاعتقال هذه جاءت أيضا لتؤكد أن مرسي لا يسطير على شيء في مصر من الناحية الأمنية وأن هناك إرادة حقيقية لجر الإسلاميين إلى مربع العنف وهو ما سيدخل مصر في دوامة وربما حرب أهلية وسيصيب عملية التحول الديمقراطي في مقتل.

كان أنه من المفترض أن لا يقود الإسلاميون الحرب على النظام السابق لوحدهم، وكان من المفترض أن يمتلك الجميع رؤية موحدة تجمعهم فيها مبادئ عامة، لكن الشاهد أن هذه مثالية لا يبدو أنها ستتحقق في أية دولة عربية. أما وأن هذا الحال أصبح شرا لا بد منه فإننا نتمنى أن تحترم نتائج الصناديق مرة واحدة في تاريخ العالم العربي وأن لا تكرر نفس التيارات عملية الانقلاب على  الديمقراطية وتجهضها لتتباكي عليها عقودا بعد ذلك.

أخيرا، لا استطيع التنبؤ بالشكل الذي سيكون عليه حكم الإخوان في مصر، مع أني أتوقع إخفاقهم سياسيا في المرحلة القادمة إن لم يغيروا كثيرا من طريقة تعاملهم مع المشهد،  لكن أستطيع أن أجزم أن المكونات السياسية لجبهة إنقاذ مصر اليوم وبكل توجهاتهم سيعيدون استنساخ نظام مبارك أو ما هو أسوأ منه إن استطاعوا إزاحة الإخوان وإقصائهم .


Nombre de lectures: 250 Views
Embed This