DzActiviste.info Publié le dim 16 Sep 2012

ملاحظات حول مشكل الفيلم المسيء إلى الرسول والتداعيات التي خلفها والدروس التي ينبغي استخلاصها منه

Partager

مقدمة:

ليست هذه هي المرة الأولى التي ينشغل فيها الآلاف من المسلمين شرقا وغربا في قضايا دينية هامشية وثانوية تلهيهم عن مشاكلهم الأساسية من نوع النهب الإمبريالي والاستغلال الرأسمالي وتحميل الشعوب الإسلامية مسؤولية ونتائج الأزمة التي تطحن العالم الرأسمالي، فقد سبق لهم أن شغلوا في قضايا كهذه، مثل تدنيس مصحف القرآن في غوانتنامو (سواء أكان هذا صحيحا أم افتراء)، وكاريكاتور الصحيفة الدانماركية المسيئة للرسول، وتحطيم تماثيل بودا في أفغانستان (وما انجر عنها من نتائج سلبية على المسلمين بسبب لجوء حركة الطالبان إلى تحطيم تماثيل بودا في هذا البلد)، وإحراق المسجد الأقصى من قبل الصهاينة في أواخر الستينات أو السبعينات من القرن الماضي، وكتاب الآيات الشيطانية لسليمان رشدي الذي أهدر الخميني دمه بسبب مضمون الكتاب، وغير ذلك من القضايا التي تستفز مشاعر المسلمين، ولكنها لا تحرك عقولهم وقناعاتهم إلا قليلا في قضاياهم الجوهرية ومصالحهم الأساسية.

وعلى الرغم من الاحتجاجات الانفعالية وبراكين الغضب الشعبي التي حركت مئات الآلاف في العديد من البلدان العربية على غرار ليبيا ومصر واليمن والسودان والأردن والكويت والبحرين والعراق ولبنان وتونس والمغرب والجزائر وغيرها وكذا في بعض البلدان الإسلامية مثل باكستان والهند وماليزيا وتركيا وإيران وأفغانستان، وأثارت هذه الاحتجاجات استياءات شديدة الغضب منددة بالإساءة للرسول الأعظم في فيلم سمي ب « براءة المسلمين » (والاسم لا ينطبق على المسمى كما تبين أحداث الفيلم)، وداعية إلى الاقتصاص من منتجي الفيلم ومخرجيه وحتى بعض ممثليه، هذا الفيلم الذي يسخر من الرسول وينسب إليه أفعالا بذيئة غير لائقة وغير صحيحة، فإن الذي سينتج عن هذا الغضب العنيف لن يزيد كثيرا عن مثيلاته السابقة، وهو السكوت المزعج أو المريح، ولسان حال الكثيرين يقول: « إننا بردنا قلوبنا » على حد تعبير المثل الشعبي، ثم ينتهي كل شيء، وتبقى دار لقمان على حالها؛ لأن هذا الشعور الانفعالي يفتقر إلى عناصر الوعي والتنظيم والوحدة والهدف، فقد تحدث فورة عاطفية في أمور وقضايا ما كان ينبغي أن تحدث فيها، في حين كان ينبغي أن تحدث حركات وهبات شعبية في أمور تستوجب ذلك، ولكنها لم تقع. والإشكالية هنا تكمن أولا في الوعي بطبيعة المشكلات الطارئة وغير الطارئة والتمييز بين ما هو أساسي وما هو فرعي من القضايا والمعايير التي تحدد ذلك، وما يضع حدا للتدخل الإمبريالي، وما يتسبب في هذا التدخل لأهداف حيوية بالنسبة للإمبريالية. وثانيا، وهو الأهم، يتمثل في تحويل الوعي النظري إلى فعل ملموس ومشخص، وهذا مالا يحدث في الغالب، لأن الكثير من البلدان العربية والإسلامية يتزايد فيها حاليا النفوذ الإمبريالي واستغلال الشركات متعددة الجنسيات وتتوفر كل عناصر الهبات والحركات الاحتجاجية، ولكن لا يحدث رد فعل بنفس المستوى الذي يلاحظ في قضايا من هذا النوع العاطفي. ولو أن الجماهير الإسلامية الكادحة قد ارتفع مستوى وعيها السياسي والفكري الذي يرتبط بالقضايا الرئيسية وحتى الإحساس العاطفي لما وقعت مثل هذه الأشياء الصغيرة ، لأن الوعي الناضج لهذه الجماهير وقياداتها حينئذ سيسبقها ويمنعها من الحدوث أو يختار الشكل المناسب للاحتجاج والرفض، أي أن المسلمين سيتصرفون طبقا لوعيهم المرتفع وليس تبعا لبركانهم الانفعالي.

ردود الفعل والتداعيات:

ولو أن ردود الفعل تجاه هذا الحدث المتكرر قد اختلف من بلد إلى آخر، إلا أنه بصفة عامة كان يتميز بطابعه العنيف وباللجوء إلى عمليات التكسير وإلى حدوث الخسائر المادية والبشرية، كما صورته الصحافة العربية والعالمية. وهذا ما جعل الكثير يدين هذه التصرفات، جنبا إلى جنب مع إدانة الحدث المسيء إلى المسلمين، واعتراف البعض بالانعكاسات السلبية الناجمة عن هذا الفعل الاستفزازي التي حولت المسلمين من مظلومين إلى ظالمين على حد تعبير شخصيات إسلامية مشهورة، في حين تصرف البعض كالعادة، فاعتبروا هذا الحدث تآمرا على المسلمين ومساسا بمقدساتهم وتاريخهم ورسولهم الكريم.

ولسنا في معرض سرد الأحدات وتداعياتها، إذ يمكن تتبعها في الصحافة الخبرية العربية والإسلامية والعالمية، وهي مرشحة للتصاعد وإلى نشوء احتمالات متعددة من جرائها، ولكن الذي نود طرحه في هذا الصدد، من هم الذين يقفون خلف هذا الحدث الوضيع؟ وما هي الجهات المتورطة التي يخدمها ويصب في حبلها؟. لو ذهبنا بعيدا في التحليلات والمقارنات والاستنتاجات لقلنا بأن الحدث يخدم أطرافا كثيرة ، بما في ذلك أوساطا إسلاموية متواطئة مع القوى الإمبريالية التي لها مصلحة مباشرة في الحدث على غرار الإمبريالية الأمريكية والأوربية وحليفتها إسرائيل وعملائها في المنطقة العربية الإسلامية وخارجها. ولهذا يمكن التركيز على أولئك الذين لديهم مصلحة في تلهية وصرف أنظار الجماهير الإسلامية عن قضاياها الرئيسية أو دفعهم إلى تفريغ غضبها في أمور دينية حساسة ولكن بالقطع ليست أساسيبة.

لقد اكتسى الحدث طابع الغموض في بعض جوانبه، حيث أنه تم تركيز وسائل الإعلام على إبرار جوانب منه دون أخرى، وهذا الغموض نفسه قد يتصل بعملية التلهية ذاتها. فمثلا لم تتناول الصحافة ووسائل الإعلام السمعية والبصرية تقريبا مضمون الفيلم أو لم تركز عليه، بل ركزت على الترويج الدعائي لأهداف انتهازية أو تضليلية، مما يمنع بالتالي أن يجري التحديد بدقة معرفة مدى وحجم الإساءة التي سببها هذا الفيلم لشخصية الرسول الكريم وخاصة أن المعلومات التي غطت الحادث تبدو متضاربة.

وبالإضافة إلى هذا، يمكن ملاحظة أن التوقيت الذي وقع الاختيار عليه لإثارة مشكل الفيلم الذي يتعرض لإساءة شخصية النبي يوحي بأن العملية مدبرة سلفا، سواء أكانت بدافع من جماعات إسلاموية متطرفة أو من جماعات أخرى متطرفة غير مسلمة (أي أن التورط يحتمل أن تقع فيه عدة أطراف أشرنا إليها آنفا).

ونلاحظ في هذا السياق بأن رد فعل جماهير المسلمين والمجموعات الإسلاموية المتطرفة كان عبارة عن عنف مضاد سواء أكان مدبرا ومحبوكا لأهداف لا تتعلق باحترام الإسلام كدين رئيسي من الأديان السماوية؛ أو كان ذا طابع شخصي (ولا نعتقد هذا)، إذ كان يمكن التعبير عن الاحتجاجات والاستياءات حول الموضوع بطريقة سلمية وحضارية، وليس بطريقة عنيفة من شأنها أن تؤدي إلى خلق ردود أفعال متسلسلة متضادة وتؤدي إلى صدامات مسلحة، كما حصل في بنغازي والقاهرة واليمن والسودان وغيرها من الأماكن).

كما أن ردود فعل البلدان الإمبريالية، وخاصة الولايات المتحدة، كان يحمل في الغالب طابع العنجهية والتهديد المبطن، أي أنه لم يكن في مستوى الحدث المطلوب، وكان التهديد أحادي الجانب، حيث لم يشمل العمل على توقيف منتجي الفيلم والمروجين واستجوابهم والتعرف على خلفيات أفعالهم، ويمكن الافتراض بأن هؤلاء كانوا يسعون إلى الاستفزاز (تم توقيف منتج مفترض، ولكن ثم أطلاق سراحه دون استجوابه عن خلفيات الحدث). وجملة القول أنه على الرغم من أن حركات الاحتجاج أدت إلى مقتل السفير الأمريكي وثلاثة موظفين آخرين في السفارة الأمريكية في بنغازي، إلا أن الموقف الأمريكي كما عبر عنه المسؤولون الأمريكيون وكما عرف طريقه إلى حيز التنفيذ لم يسع إلى التهدئة بقدر ما كان يهدف إلى التصعيد وخلق مبررات للتدخل في الشؤون الداخلية لبلدان عربية وإسلامية تحت ذريعة مكافحة الإرهاب وتحقيق أهداف أخرى (تم إرسال عناصر عسكرية من المارينز إلى ليبيا والقاهرة واليمن تحت ذريعة حماية السفارات الأمريكية في هذه البلدان).

إنه لمن الممكن استغلال هذا الحدث، الذي هو في حد ذاته هامشي لكنه استفزازي، لإثارة أحداث وأهداف ضد البلدان العربية والإسلامية التي تشهد بعضها حركات احتجاجية عفوية في الغالب، حيث ستخلق هذه الأحداث فرصة مواتية للتدخل من أجل إخمادها أو تصعيدها، على حسب الهدف المحدد، من قبل الحكومات الاستبدادية الداخلية والتدخلات الإمبريالية الخارجية لهدف مشترك يخدم الطرفين معا، أو على الأقل استخدام الحدث لتحقيق أهداف ومقاصد لم تجد إلى حد الآن الشكل المناسب للإفصاح عنها وتنفيذها.

ونؤكد بهذا الصدد على أن الأحداث العنفية التي وقعت في مختلف البلدان العربية والإسلامية وخاصة في بنغازي بليبيا، حيث أدت إلى مقتل السفير الأمريكي وثلاثة من موظفي السفارة الأمريكية، وكذا أحداث العنف في القاهرة واليمن والسودان والأردن وغيرها، هذه الأحداث العنيفة المصحوبة بالتكسير والتقتيل تستدعي الإدانة من كل الأوساط، لأن الطريقة التي تمت بها من شأنها أن تصب الخل على الزيت في النار، وخاصة حينما تكتسي طابعا عنيفا واستفزازيا هو الآخر، ويبقى على كل طرف أن يوضح أسباب إدانته للأحداث، حتى لا يتم الخلط بين الإدانات، وعملية تكريسها لخدمة الأهداف الإمبريالية والأنظمة الرجعية والظلامية.

الدروس المستخلصة:

لا ينبغي أن تمر هذه الأحداث بدون مغزى، على المسلمين، سواء أكانوا في بلدانهم أو في المجتمعات الغربية التي يشكلون فيها أقلية، أن يستخلصوا الدروس الملائمة والإيجابية من هذا الحادث وتداعياته السلبية، وأول هذه الدروس وأهمها أن يوجهوا نضالاتهم بكل وعي وتنظيم إلى العدو الحقيقي، وهو النضال ضد الإمبريالية الأمريكية والأوربية والإمبريالية عموما التي تمارس في البلدان الإسلامية النهب والاستغلال والقهر، وتحميل الجماهير الإسلامية الكادحة مسؤولية النتائج الكارثية التي خلقتها الأزمة الرأسمالية العالمية. والدرس الثاني أن لا ينزلقوا، مثلما حدث في الماضي ويحدث الآن، وراء حادث أو أحداث، مهما تكن هويتها، فهي ذات طابع ثانوي، أو على الأقل عليهم ألا يقعوا في الأفخاخ التي تنصب لهم من قبل الإمبريالية والقوى الرجعية والظلامية، وألا يحتكموا في مثل هذه الحالات إلى العنف، بل يلجأوا إلى التعبير عن احتجاجاتهم على مثل هذه الأحداث وإدانتها بطريقة سلمية وأن لا يتم تضخيمها بشكل مفرط أو أن يبالغوا في تكبير حجمها، وأن لا يكرروا أخطاء سابقة مثلما تصرفوا في الماضي إزاء حوادث وقعت من نوع تدنيس المصحف الشريف في المراحيض بغوانتنامو، ونشر صور كاريكاتورية مسيئة للإسلام وللرسول نشرتها صحيفة دانماركية… أو تمزيق نسخ من القرآن هنا وهناك، أو رد فعل على ممارسات تعصبية استفزازية. والدرس الثالث يتمثل في تساؤل هام يمكن للمرء أن يطرحه في معرض التمييز بين ما هو أساسي وما هو ثانوي: هل يمكن مقارنة هذه الأحداث الاستفزازية مع ما اقترفه الأمريكيون في سجن « أبو غريب » بالعراق ضد السجناء والسجينات العراقيات؟ أو مع ما فعلوه بالسجناء في غوانتنامو وتوظيف المعتقلات السرية المتنقلة التي أقامتها الولايات المتحدة بشكل سري في بلدان أوربا الشرقية للحيلولة دون اتهامها أمام الهيئات الدولية؟، وهل إحراق المسجد الأقصى أهم من حرق المسلمين في هذا المكان المقدس، وماذا يمكن أن يبقى من مقدسات المسلمين وشعائرهم وتاريخهم إذا ذهبوا هم واختفوا من الوجود؟. في السبعينات من القرن الماضي، على ما أذكر، قدم الرئيس الراحل هواري بومدين في المؤتمر الإسلامي المنعقد بلاهور في الباكستان نقدا لمثل هذه النظرة السطحية الشائعة « إن المسلمين لا يريدوت الذهاب إلى الجنة وبطونهم خاوية ». فكانت النتيجة أن كفروه على هذه النظرة، واعتبروا كلامه نوعا من الإلحاد. في حين انه كان يريد بهذا القول أن الحرص على المقدسات الإسلامية يكمن أساسا في حماية المسلمين من الاضطهاد والجوع والفقر. وهذه الرؤية مع الأسف ما تزال سائدة حتى اليوم، بل وتتضخم أكثر من ذلك الوقت.
والدرس الأخير يكمن في معرفة المسلمين لخصائص دينهم الذي هو دين تسامح، ودين عدل، وأنه يأخذ بمضمون الآية الكريمة « ولا تزر وازرة وزر أخرى ». وهذه القاعدة العظيمة لم تظهر مع الأسف في أحداث العنف التي شهدتها العواصم العربية والإسلامية، ماعدا بعض التصريحات المجاملة من بعض المسؤولين والديبلوماسيين والشخصيات الإسلامية. بل كانت هذه الأحداث في جوانب منها تعكس التعصب الذي يعاقب البريء بما اقترفه المجرم.

الخلاصة:

إن ما يمكن استخلاصه من الملاحظات التي سجلت حول الحادث وأحداث أخرى مشابهة هو تكرار القول بأن الجماهير الإسلامية ينبغي أن توجه غضبها نحو الأهداف الإمبريالية الأساسية التي ترمي إلى نهب ثروات الشعوب والبلدان العربية والإسلامية من قبل الشركات متعددة الجنسيات، واستغلال العمال المسلمين والجماهير الإسلامية تحت شعار الأخوة الإسلامية بمفهومها الإقطاعي والظلامي، وتدمير المسلمين وقتلهم، وتحميل الجماهير المسلمة مسؤولية ونتائج الأزمة الرأسمالية العالمية، هذا التوجه هو الذي يشكل، في نظرنا، النضال الحقيقي، وهو الذي يوحد المسلمين حقا مع الشعوب الأخرى المكافحة وينتزع تأييدها وتضامنها، وفي نفس الوقت يثمر نتائج إيجابية تتمثل في التحرر ووضع حد للاستغلال والاستفزاز والاحتقار والاتهام بالإرهاب.

رابح بوعلام

16 سبتمبر 2012


Nombre de lectures: 189 Views
Embed This