DzActiviste.info Publié le ven 21 Sep 2012

من الحزب الشيوعي إلى الوطن : نداء "جمول" يتحول إلى مقاومة وطنية شاملة

Partager

« يا رجال ونساء لبنان من كل الطوائف والاتجاهات »
« أيها اللبنانيون الحريصون على لبنان بلداً عربياً سيداً مستقلاً، إلى السلاح تنظيماً للمقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال وتحريراً لأرض الوطن من رجسه على امتداد هذه الأرض من أقصى الوطن إلى أقصاه ».

د. ماري ناصيف – الدبس*

هذا النداء جزءاً من البيان الذي وزعه الحزب الشيوعي اللبناني صباح 16 أيلول/ سبتمبر 1982، بعد ساعات قليلة على بدء قوى العدوان الصهيوني – المدعومة أميركياً والمباركة من رؤساء الدول الرأسمالية العظمى- بتدنيس أرض العاصمة بيروت، إثر حصار دام مائة وأربعة أيام استخدمت خلاله كل أنواع « الأسلحة المحرّمة دولياً »، كما يقال، التي كانت تنهمر ليلاً نهاراً من البحر والبر والجو على رقعة لا تتعدى بضعة كيلومترات مربعة مسيّجة بشابات وشباب لا يتعدى عددهم بضع مئات، بعد أن رحّلت البوارج المتعددة الجنسيات مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية باتجاه تونس.

في تلك الأيام المائة والأربعة، كانت التحضيرات تتم حسب المخطط المرسوم لإطلاق « جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية »، إذ أن قيادة الحزب الشيوعي اللبناني، لم تُخدع يوماً « بالتطمينات » التي كانت تصدر على لسان فيليب حبيب، منسق العدوان والتي صدّقها البعض، من أن أهداف العدوان لا تتجاوز تقليم أظافر منظمة التحرير الفلسطينية وإبعاد قيادتها عن لبنان بعد وضع حد لوجودها في الجنوب على مقربة من الحدود مع فلسطين المحتلة… خاصة وأن أطماع العدو الصهيوني في أرض لبنان، وفي مياهه بالتحديد، معروفة منذ قيام الكيان الإسرائيلي في العام 1948، بضم ما يسمى « القرى السبع » وتهجير أهلها، كما فعل مع جزء كبير من أهل فلسطين.
لقد حدد الحزب، منذ بداية العام 1982، أن حكومة العدو، وبالتحديد رئيسها مناحيم بيغن ووزير دفاعها أرييل شارون (المعروفان منذ ما قبل نكبة فلسطين، بقيادتهما للعصابات الإرهابية)، عازمة على الإمساك الكامل بالوضع اللبناني، بالاستفادة من عوامل أساسية داخلية وخارجية، سنتوقف عند أهمها :

أولاً، أدت الحرب الأهلية، المستمرة من العام 1975، وبالتحديد بعد العام 1977 (إثر استشهاد كمال جنبلاط وتصفية مخيم تل الزعتر واقتلاع « حزام البؤس » من الضاحية الشمالية لبيروت)، إلى تركز الفرز السكاني، بعد أن عملت « القوات اللبنانية »، الحديثة العهد آنذاك، على تنفيذ سياسة الصفاء المذهبي التي تلت تصفية أو طرد كل المعارضين لسياساتها من شيوعيين وقوميين وديمقراطيين… وظهرت للعيان في الفترة عينها متانة العلاقة التي تربط منفذي تلك السياسة داخل « الجبهة اللبنانية » مع حكومة بيغن – شارون والتي، حسب بعض الوثائق التي حصل عليها الحزب ونشرتها جريدة « النداء »، تأسست في العام 1947 ضمن وجهة تقول بضرورة الاستفادة من التناقضات الدينية والعمل على تأجيجها من خلال إثارة الخوف في صفوف الطوائف « المسيحية » المحاطة ببحر عربي – إسلامي.

ثانياً، ترافق مع هذا الفرز الطائفي نشوب خلاف حاد داخل التحالف السوري مع « الجبهة اللبنانية »، إثر اغتيال طوني فرنجية والمجزرة التي ارتكبتها « القوات اللبنانية » في إهدن، وتطور هذا الخلاف سريعاً ليتحول إلى حرب مواقع بينهما، دون أن تتغير نظرة دمشق تجاه الحركة الوطنية اللبنانية، حيث حاولت، على الدوام، تحجيمها وإلحاقها بالاستراتيجية العامة للنظام السوري، وبالتحديد الجانب المتعلق بالإمساك بورقة فلسطين، وما نتج عنه من خلافات بين القيادتين السورية والفلسطينية.

ثالثاً، شكلت تجاوزات بعض فصائل المقاومة الفلسطينية داخل قرى الجنوب المتاخمة للشريط الحدودي المحتل من قبل الكيان الإسرائيلي، والواقع تحت سيطرة جيش العميل سعد حداد، مدخلاً لتأليب قسم مهم من أهالي الجنوب ضد سياسات عسكرية لم تردع إسرائيل أو تؤذها بقدر ما أثرّت سلباً على القرى الجنوبية وصولاً إلى بيروت التي كانت بعض مناطقها تتعرض يومياً إلى قصف الطيران الصهيوني الذي يضاف إلى حرب الجبهة الداخلية المستعرة.

رابعاً، ولا ننسى أن العام 1982، كان عام الانتخابات الرئاسية وكذلك عام بروز نجم قائد القوات اللبنانية آنذاك بشير الجميل الذي استطاع أن يوحد، عسكرياً ومن ثم سياسياً، القوى المتواجدة في ما كان يسمى « المناطق الشرقية »… وصولاً إلى قيادة الجيش ورئاسة الجمهورية. وقد وجد التحالف الإسرائيلي – اللبناني السالف الذكر في شخص بشير الجميل عنصراً جامعاً للعديد من الأهداف الإسرائيلية، بدءاً بنظرته إلى القضية الفلسطينية وبموافقته على تطوير التحالف مع الكيان الإسرائيلي إلى الحد الأقصى.

خامساً، وأخيراً، لا ننسى أن فوز رونالد ريغان في رئاسة الولايات المتحدة والبرنامج السياسي الذي انتخب على أساسه، ومنه بالتحديد تصعيد المعركة ضد الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي والقضاء على الشيوعية، قد أعاد تنظيم الوضع في الدول الرأسمالية وحلف شمال الأطلسي باتجاه هجومي على كل الجبهات، ومنها بالتحديد جبهة الشرق الأوسط، حيث يلعب العنصر الإسرائيلي دوراً أساسياً.

هذا التحليل استند، ليس فقط إلى تصريحات قادة العدو وبالتحديد الثلاثي بيغن – شارون – اسحق شامير (وزير الخارجية)، بل كذلك إلى معلومات وردت إلى الحزب الشيوعي اللبناني، في أوائل كانون الثاني 1982، عن زيارة خاطفة قام بها أرييل شارون إلى لبنان للقاء بشير الجميل وأركان آخرين من الجبهة اللبنانية، الهدف منها وضع هؤلاء في صورة الخطة المُعدة لاجتياح لبنان والتي سبق أن عرضت على رونالد ريغان. وتتلخص هذه الخطة بمستويين : أولهما، يقضي بالتوغل مسافة 45كلم داخل الأرض اللبنانية (أي إلى حدود نهر الأولي)، أما ثانيهما، وهو الأساس، فيتجاوز الأولي حتى بيروت حيث يتم القضاء ليس فقط على المقاومة الفلسطينية، بل كذلك على قيادة العمل الوطني في لبنان، ليصار بعد ذلك إلى انتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية (بموافقة الرئيس إلياس سركيس) وإلى توقيع اتفاقية صلح كامل مع الكيان الصهيوني.

إضافة إلى هذه المعلومات، أفيد الحزب الشيوعي اللبناني بتفاصيل حول المناطق التي ستتعرض للقصف المدمر، بدءاً بالطريق الجديدة حيث كانت تتواجد مكاتب منظمة التحرير والمقر القيادي للحزب، عدا عن المراكز العسكرية المنتشرة حول تلك المنطقة.
لذا، وانطلاقاً من مقررات المؤتمر الثاني، الذي أعاد القضية الفلسطينية إلى الواجهة، ومن مواقفه المقاومة التي تجسدت ببناء « الحرس الشعبي » و « قوات الأنصار » لحماية قرى الجنوب وللمشاركة في المقاومة المسلحة ضد إسرائيل، قررت قيادة الحزب الشيوعي اللبناني إعداد العدة لمقاومة الاجتياح، من جهة، ومنع الاحتلال من الاستقرار على أرض الوطن، من جهة ثانية، عبر إعلان التعبئة العامة التي ترافقت مع التحضير لقيادة العمل المقاوم والخلايا الأولى الأساسية له. وترافقت هذه القرارات مع صدور تقرير عن اللجنة المركزية للحزب في كانون الثاني/ جانفي 1982 تضمن تحليلاً للأوضاع السياسية في لبنان والمنطقة ودعوة إلى الاستعداد لمواجهة كل الاحتمالات…

***

في الخامس من حزيران 1982، قصفت المدينة الرياضية في بيروت، وكان هذا القصف إيذاناً ببدء تنفيذ الخطة التي طرحها رونالد ريغان في اليوم التالي (6 حزيران/ جوان) على طاولة قمة فرساي للدول الرأسمالية الكبرى.

وبدأ الاجتياح الإسرائيلي للبنان… وهللَ العملاء له، وتحولت بيروت « الشرقية » إلى مرتع لجنوده، ولضباطه خاصة، الذين لم يعرفوا كيف ينسقوا الدعوات المتعددة التي كانت تنهال عليهم لزيارة هذا البيت أو للجلوس على مائدة هذا المسؤول… في وقت قطعت فيه المياه عن بيروت « الغربية » وضاحيتها الجنوبية المحاصرتين بالنيران، إنما الصامدتين أبداً.

مائة وأربعة أيام من الصمود البطولي في وجه أحدث الأسلحة، ومنها القنابل الفراغية التي تحَول الأبنية إلى كومة من الحجارة في ثوانٍ معدودات. مائة وأربعة أيام لم ينقطع فيها الاتصال بين مركز القيادة والمناطق كافة، خاصة المحتلة منها، فالتعميم السياسي اليومي كان يَنقُل كل مساء الموقف السياسي عبر الأثير إلى كل المراكز، مشدداً على الدوام على مسألتين : التحضير للمقاومة، وتحرير الأرض من رجس الاحتلال، بدءاً ببيروت وإمتداداً إلى كل شبر من تراب الوطن…

فجر 16 أيلول 1982، بدأ زحف قوات العدو الصهيوني داخل بيروت « الغربية » التي كانت شركة « أوجيه » قد عرّتها من كل الدشم والسواتر الترابية المحيطة بها. إلاّ أن هذا الزحف لم يكن سهلاً، إذ كانت زوايا الشوارع تخفي شابات وشباباً حملوا القاذفات المضادة للدروع (آر. بي. جي) وراحوا يطلقونها على الدبابات المتقدمة تحت وابل من النيران الغزيرة. استشهد من استشهد، وجرح من جرح… إلاّ أن « جمول » انطلقت ولم تتوقف عن ملاحقة العدو وفلوله المنسحبة من بيروت، التي لم يستطع احتلالها سوى لبضعة أيام، رغم مجزرتي صبرا وشاتيلا، بل ربما بسببهما.

تحررت بيروت. وانتقلت المعركة إلى الجبل والبقاع والجنوب. إلى طريق « هو شي مينه » بين الضاحية وصيدا، حيث تكبد العدو خسائر جسيمة. إلى قلب صيدا. إلى كل نقطة من عاليه والشوف، إلى البقاع الغربي. أبطال « جمول » يتقدمون الصفوف، يحررون الأرض شبراً تلو الآخر، بينما رفاق لهم يواجهون آلة التعذيب الصهيونية في المعتقلات، بدءاً من ذلك الذي أقيم على أرض الكرامة في بلدة أنصار،
قلاع العدو الصهيوني وعملائه الداخليين تسقط الواحدة تلو الأخرى…

« يا أبناء بيروت، لا تطلقوا النار فنحن منسحبون ».

ماري ناصيف – الدبس

*(المقالة تعبر عن رأي كاتبتها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الجريدة)

الاثنين 17 سبتمبر 2012

عن الحركة الديمقراطية العربية


Nombre de lectures: 254 Views
Embed This