DzActiviste.info Publié le lun 28 Jan 2013

من يزرع الريح يحصد العاصفة

Partager

« انعدام الاستقرار في شمال أفريقيا هو نتيجة الربيع العربي »، تلك هي الأكذوبة التي أطلقتها وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون. وما يدل على ذلك أن الثورة في مصر وتونس لم تؤد إلى انتشار الإسلام الثوري في شمال أفريقيا. فالإسلام الثوري يندلع كالحمم الساخنة من ليبيا التي لم يصلها الربيع العربي أبدا. إن ما حدث هناك ما هو إلا حرب أهلية نظمها الغرب وبدأتها كل من فرنسا وإيطاليا لتدعمهما مباشرة الولايات المتحدة. وكان الهدف من ذلك هو القضاء على النظام الاشتراكي لمعمر القذافي.

قبل أسبوع من الآن كان ثلثا أراضي الدولة الأفريقية مالي تحت سيطرة المسلحين الإسلاميين الذين كانوا يقضمون بصمت المدن الماليّة المدينة تلو الأخرى. وهذا ما اضطر باريس للتدخل، لأن فرنسا تُعرف بكونها جندرمة شمال ووسط أفريقيا. تم إرسال ما يزيد على ألفين من الجنود الفرنسيين إلى مالي حتى الآن، وترجح زيادة تعدادهم لاحقا. إذا، يشهد العالم ولادة نزاع دولي جديد. ورغم كون فرنسا تقليديا جندرمة لهذا الجزء من أفريقيا، فهي التي كانت معنية بتدمير ليبيا القذافي، وهي من بدأت هذه الحرب. أما الدول الأخرى، أي ألمانيا وبريطانيا وغيرهما، فانضمت إلى باريس لاحقا، ليقوموا جميعا بتمزيق البلاد إربا إربا.

نتيجة للجهود الأوروبية تحولت ليبيا الهادئة إلى منطقة عسكرية تضج بالمتمردين والأسلحة ودعاة أكثر المجموعات الإسلامية تطرفا لا تشكل « القاعدة » سوى واحدة منها. وبعد الانتصار ضاقت الأراضي الليبية بالدول الغربية، فتحولوا إلى البحث عن دولة أخرى « يحررونها ». الجزائر المجاورة يحكمها نظام قوي مناهض للإسلاميين لم يتوان في الماضي القريب على قمع الإسلاميين الجزائريين بيد من حديد بعد أن تمكنوا من الحصول فجأة على الأغلبية في البرلمان. ولذا، فإن كلا من المتمردين الليبيين والمرتزقة والمراهقين المتلهفين للقتال، سيقابَلون حتما بعمليات عقابية صارمة من قبل الجيش الجزائري الذكي والقوي، إن قرروا التوجه إلى هناك.

لقد شهد العالم مؤخرا كيف تم القضاء بكل صرامة على مسلحي القائد الميداني مختار بلمختار في واحة إين أميناس. ولهذا السبب لم يدخل الإسلاميون « الثوريون » إلى عمق الأراضي الجزائرية. وبدلا من ذلك سارت حشود المسلحين عبر القسم الجنوبي الصحراوي من الجزائر على الخط الحدودي مع دولة النيجر، لتتوغل في عمق الأراضي المالية ضعيفة الحماية. هذا ما حدث قبل عام من الآن. حينها لم تدرك وسائل الإعلام العالمية هوية تلك المجموعات. تم الإعلان أن تشكيلات مسلحة من الطوارق اخترقت الحدود المالية. وفيما بعد اتضح أن الطوارق كانوا فقط يرافقون حشودا من الإسلاميين قدموا من ليبيا يحملون رياح « الثورة الإسلامية الراديكالية » إلى مالي وسائر أفريقيا.

وعندها شعرت فرنسا بالقلق. وأرسلت قواتها العسكرية لإصلاح نتائج تخريبها لليبيا. يتكبد الفرنسيون خسائر فادحة أكثر من المتوقع بسبب امتلاك قوى « الإسلام الثوري » لخبرة قتالية كبيرة اكتسبوها في ليبيا بالإضافة إلى عقيدتهم الدينية القوية. لن يكون إيقاف هذه « الحرب الثورية » بتلك البساطة التي اعتادت فرنسا الاستعمارية عليها، عندما كانت ترسل في السابق بضع مئات من مظليي الفيلق الأجنبي إلى أية دولة أفريقية تحدث فيها اضطرابات. تساعد ألمانيا فرنسا في هذه الحرب. ويبدو أن ائتلافا من الدول الغربية سيتم تشكيله. سيكون عليه القتال بشكل جدي في مالي.

وحتى الولايات المتحدة الأمريكية المشغولة بقيادة الحرب الأهلية في سورية، ستلتحق بالطبع بذلك الائتلاف. يوفر الأمريكيون في الوقت الراهن المعلومات الاستخباراتية لفرنسا وأبدوا رغبتهم في تقديم طيرانهم لنقل العتاد الحربي الفرنسي. ولولا السياسة الخاطئة للدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، لما تقدم « الإسلام الثوري » في القارة الأفريقية. لقد ساهم الكره الأعمى الذي تكنه أنظمة أوروبا الغربية والولايات المتحدة لما تبقى من الدول الاشتراكية في العالم في ظهور حكومات إسلامية في أوروبا في البوسنة وكوسوفو. وبقضائه على نظام معمر القذافي الذي كان يحكم ليبيا بقبضة حديدية، ساهم الغرب بظهور بحيرة ثورية مكانها تغلي وتقذف بحممها الملتهبة كل القارة الأفريقية.
ماذا سيحصل بعد سقوط النظام السوري؟ يمكن القول بثقة كبيرة إن الأنظمة العلمانية ستتم إزالتها من خارطة تلك المنطقة. ولن يستطيع لبنان أن يقاوم هذه الهجمة. ستصل الاضطرابات إلى الأردن وستستمر لفترة طويلة. أما دولة إسرائيل، فستعيش في جحيم متواصل. سيتم تهديدها من الشمال من قبل قوى « الإسلام الثوري » في سورية. ومن جهة غزة والضفة الغربية سيهددها « الإسلام الثوري » لحركة « حماس »، ومن الجانب الآخر جمر الأردن الملتهب.

المصدر: صحيفة « إيزفيستيا »، إدوارد ليمونوف، كاتب وسياسي.

28 جانفي 2013

ملاحظة:

الأفكار الواردة في المقالة لا تمل سوى رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الجريدة.


Nombre de lectures: 199 Views
Embed This