DzActiviste.info Publié le sam 26 Oct 2013

نخبة أم نكبة: عندما ترتدي الانقلابات ثوب الحداثة

Partager

intellectuel algérienس.ج

« إن الحرية عبء ثقيل على الشعوب التي لم تحضر نخبتها لتحمل مسؤوليات استقلالها  »  

مالك بن نبي

الأكيد أن الثورات أو بالأحرى الانتفاضات العربية في بدايتها في كل من تونس ومصر  فتحت بابا من الأمل لدى قطاعات عريضة من الشعوب  في التخلص من الاستبداد بشكل سلمي وبأقل  عدد من الضحايا. هذه الثورات لم تكن لها قيادة واضحة أو تتبنى أيديولوجية أو مشروعا فكريا واضحا، بل كان مطلبها الرئيس هو القضاء على الاستبداد وإقامة دولة القانون واحترام الحريات وإعادة الكرامة لجميع المواطنين. بعد سقوط رؤوس الأنظمة  ظن كثيرون أن عهود الاستبداد ولت في هاتين الدولتين وأن الدولة البوليسية انتهت إلى غير رجعة، ولكن واقع الحال الذي تعيشه مصر ( وقد تعيشه تونس قريبا لا قدر الله ) أثبت أن معركة الشعوب مع الاستبداد مازالت طويلة وأن النخب السياسية المعارضة للاستبداد ، أو هكذا تدعي، كان من المفترض أن تسهل عملية التحول الديمقراطي وبناء دولة القانون وترقى إلى مستوى تحديات المرحلة  لا أن تكون  نكبة على شعوبها وتهدر فرصة تاريخية لاستعادة كرامة هذه الشعوب بأقل الأثمان، بل زجت بالشعوب في صراعات هامشية لا علاقة لها بصلب الهدف الذي قامت من أجله الثورات وأسست لعودة دولة الاستبداد  و تُنظر اليوم لفكر إقصاء الخصوم السياسيين واستباحة أموالهم ودمائهم وقسمت الشعوب وبثت روح الكراهية في أوساطها، بل وسط الأسرة الواحدة. 

فمصر اليوم تشهد  عودة دولة الاستبداد بأبشع صورها وبنفس والوجوه تقريبا وذلك بعد مرور سنتين فقط من الثورة، وقد نشهد عودتها في تونس قريبا. هذه الانتكاسة للثورات ليست شيئا جديدا في التاريخ ، فكم من ثورة سرقت وكم من ثورة انتهت في أيدي النظام الذي قامت عليه الثورة، فمسار الثورات يعتمد على عدة عوامل اجتماعية وجيوسياسية وقد تتعثر هذه الثورات لسنوات أو عقود حتى تحقق أهدافها – الثورة الفرنسية نموذجا، وقد تنتهي الثورة نهاية مأساوية وتصبح مجرد انتفاضة عابرة  يذكرها التاريخ مثل ثورة 1919 في مصر.

****

ما حدث  ويحدث في مصر وتونس كشف بما لا يدع للشك أن الشلخ الذي أحدثته عقود الاستبداد والاستعباد  في المجتمعات عميقا، بل وأعمق مما نتخيل، كما بينت هذه الأحداث أن النخب السياسية المعارضة لما يسمى بالإسلام السياسي في مجملها تستنسخ تجربة ديمقراطيي الجزائر، وحزب النور السلفي في مصر يستنسخ دور حمس « الإخوانية » في الجزائر،  وأن ما يحدث في تونس هو محاولة استنساخ لما حدث في مصر. قد يقول قائل أن هذه النخب لم تستوعب درس الجزائر، لكن اعتقاد الكاتب أن الأمر لا يتعلق بعدم إستعاب الدرس الجزائري، بل بالعكس، هناك كثير من المؤشرات على أن النموذج الجزائري يمثل تجربة ناجحة لدى جهات عديدة. لهذا فإننا اليوم   بحاجة فعلا لإعادة النظر في كثير من المفاهيم الإنسانية و القيم السياسية وبات حتميا دعوة المخلصين لوضع تصورات إدارة مرحلة ما بعد الثورات وكيفية إنجاز أهداف هذه الثورات بأقل الخسائر وتجنيب هذه الشعوب مزيدا من الضحايا والمرارات، لأن حالات التحول الفكري والسياسي في المواقف والمبادئ التي نشهدها لدى معظم النخب في مصر وتونس يجعلنا ندرك أن معارضة أية نظام مستبد أو وتبني قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان لا تعد بأية حال من الأحوال معيارا يقاس به إيمان الشخص بهذه القيم ،  لأن هذه الشعارات أصبحت بضاعة رائجة يمكن للجميع أن يتاجر ويصنع بها نضالات زائفة . فحالات التحول في المشهد المصري لا تعد ولا تحصى وتحتاج وحدها لدراسة تملأ صفحات الكتب وليس مقالات، فعندما يصبح رجالات مبارك وأمنه  وقضاته ورجال أعماله الفاسدين يدا واحدة مع من كانوا يدعون الديمقراطية وحقوق الإنسان بالأمس،  وأن نجد من رفعوا شعار « يسقط حكم العسكر  » بالأمس يلحسون أحذية العسكر اليوم ويستبيحون دماء الآلاف من الأبرياء و يبررون انتهاك حقوق عشرات الآلاف من الأبرياء إما اعتقالا أو تعذيبا ، وعندما يصبح الإتحاد العام للشغل ونداء تونس والحداثيين في خندق واحد فإننا حتما أمام ظاهرة تحول لا تحدث حتى على مستوى الكائنات المجهرية.

بالأمس كنا نتهم التيارات الإسلامية بالإرهاب وعدم قبول الديمقراطية ثم انتقلنا إلى رفض مشاركتهم في الحياة السياسية بحجة أنهم يتخذون من الديمقراطية وسيلة، ولكن الفاجعة اليوم وبعد الثورات العربية انتقلنا إلى إنكار حق هؤلاء في الحياة البيولوجية، بل ونزع صفة المواطنة عليهم وعلى من يؤيدهم أو يتعاطف معهم.

****

من وجهة نظر الكاتب هناك عبر  ودروس وحقائق يمكن استخلاصها مما حدث و يحدث في مصر وتونس.

أولا: الوصفة التي يتم اعتمادها للقضاء على هذه الثورات أصبحت شبه مكررة: قم بإجراء انتخابات في ظل مؤسسات أمنية وقضائية وإعلامية معادية للثورة ، يفوز الإسلاميون أو تكون لهم حصة الأسد، أغرق البلاد في الفوضى الأمنية والأزمات الاقتصادية،  شكل معارضة وحاصر من حصلوا على ثقة أغلبية الشعب، شكل رأيا عاما رافضا لهؤلاء المنتخبين عبر أرمادة إعلامية ( لا يهم حقيقي أم مزيف)، ثم أوصل الصراع إلى طريق مسدود  لتحسم المؤسسة الأمنية والجيش الموقف بإنقلاب بلباس ثوري ديمقراطي، ثم قم باستباحة كل شيء،  فدماء من يسمون  إسلاميين هي دماء بلا قيمة ويمكن اعتبارها من بين ضرورات بناء النظام الديمقراطي الحديث أو مكافحة الإرهاب. المشهد التونسي  يسير بخطى ثابتة حسب هذه الوصفة،  وإن لم تقم الترويكا بحركة إستباقية أو مناورة سياسية تمنع الانقلاب وعودة نظام الاستبداد عبر جسر الحداثيين، لا أستبعد أن نرى قيادات النهضة وربما المرزوقي أيضا نزلاء سجون القوات الأمنية التي يدافعون عنها اليوم ويتبنون حربها ضد الإرهاب المزعوم.

ثانيا : الصراع الحقيقي لا علاقة له بالشق الإيديولوجي بقدر ما هو صراع استعادة إرادة الشعوب، وبروز الشق الإيديولوجي مرتبط أساسا بالتوجه الطبيعي لأغلبية الشعوب الإسلامية، كما أن المشروع الإسلامي سيبقى في الصدارة ما لم يأخذ فرصته كاملة ويثبت فشله. دون أن ننسى أن أحد أضلع الانقلاب في مصر هو حزب النور  السلفي الموغل في التطرف والانغلاق، هذا على افتراض أنه ليس صناعة مخابراتية ، كما هي قناعة الكاتب.

ثالثا : من الخطأ الدخول في أية عملية انتخابية قبل تطهير حقيقي لمؤسسات الدولة ويأتي على رأسها المؤسسات الأمنية والجيش و القضاة والإعلام.  لا معنى لأية عملية انتخابية أو ديمقراطية في ظل مؤسسات فاسدة ومعادية لكل قيم الثورة ومدركة لخطورة الثورة على مصالحها . لهذا يجب على الشعوب أن تكمل مشوارها مع هذه المؤسسات بعيدا عن مفهوم المعارضة والسلطة، لأن صراع المعارضة والسلطة المنتخبة لا يصب إلا في صالح الثورة المضادة. وعلى الرغم من ذلك فإن معركة تطهير المؤسسات لن تكون محل توافق لكون كثير ممن يسمون معارضين هم على ارتباط وثيق بهذه الجهات والمؤسسات وبعض التيارات السياسية تدرك أن هذه المؤسسات ستكون ظهيرا لها في نهاية المطاف . لهذا فإن عملية تفكيك مؤسسات الاستبداد تمثل التحدي والعائق الأكبر لأية عملية تحول ديمقراطي ومن الخطأ التوقف في منتصف الطريق، وكما قال مالك بن نبي : الثورة التي تقف في منتصف الطريق خلال إنجاز مهامها أو تخشى إصلاح أخطائها فإنها تنتحر.  في السياسة يمكنك المراوغة والمداهنة، لكن الثورة تفرض  عليها أخلاقياتها أن  تمضي إلى آخر مطاف.

 

رابعا: أشد أنياب وأدوات الثورة المضادة فتكا هم  رجال الأعمال الذين اغتنوا في فترة الاستبداد بما يمتلكونه من وسائل إعلام وقدرة على إرباك دواليب الدولة نظرا لتحكمهم في الاقتصاد وكونهم أحد أدوات المنظومة الرأسمالية المتحكمة في الشعوب وتحالفهم الطبيعي مع الأنظمة الاستبدادية بل في بعض البلدان هم الحكام الفعليين.

خامسا: ما يجب ذكره أنه على الرغم من أن عملية إسقاط رؤوس الأنظمة المستبدة في كل من مصر وتونس كانت عبر انتفاضة شعبية فإن أغلب الشعب ليس متشبعا بالقيم التي نادت بها الثورة ولا هو مدرك لحقيقة الصراع و أبعاده  وقد يحتاج الأمر شهورا أو سنوات حتى تنتشر الفكرة الثورية في وعي قطاع عريض من الشعب  بشكل يكون كافيا للحفاظ على ثورته والدفاع عن حريته، لأن الأجداث أثبتت أن قطاعات عريضة من الشعوب بما فيهم أولئك الذين يعيشون في أتون الفقر والحاجة وتداس كرامتهم بكرة وعشية يحنون حنينا عجيبا للاستبداد، وكما يقال لا تسأل الطاغية لماذا طغى بل اسأل العبيد لماذا ركعوا. 

سادسا: حركة الإخوان حركة إصلاحية منظمة ووسطية الفكر (في مصر أو تونس) ويمكن أن تحقق نجاحات في حياة ديمقراطية سليمة ولكنها لا تصلح أن تكون رأس حربة لحالة ثورية حتى تغير كثيرا من أبجدياتها  وعقائدها الفكرية ، فإن كان من الممكن تفهم أخطائهم في الخمسينات وتجربتهم مع عبد الناصر والعسكر فلا يمكن قبول استنساخهم لنفس الأخطاء شبرا بشبر وذراع بذراع مع السيسي والعسكر بعد ستين سنة  وبعد ثورة شعبية.

سابعا: على من يسمون أنفسهم ديمقراطيين أو حداثيين أويساريين أن يتعظوا ويبقوا على شيء من المصداقية في رصيدهم  إن كان هناك بقية (طبعا مع بعض الاستثناءات التي تستحق الاحترام)  ، فعندما تخرج جميع هذه الأحزاب في مصر تحت مضلة جبهة الإنقاذ في تظاهرات للمطالبة بانتخابات رئاسية أو إسقاط استبداد الإخوان أو تحقيق أهداف ثورة يناير جنبا إلى جنب مع من قتلوا شهداء ثورة يناير ثم ينتهي الأمر بانقلاب دموي يعيد دولة مبارك بشحمها ولحمها التي قالوا أنهم هم من ثاروا عليها في 25 يناير، فإن الأمر يعيد حتما إلى الذاكرة مظاهرات جبهة القوى الاشتراكية في الجزائر سنة 92  والتي شاركت فيها أيضا جميع الأحزاب الديمقراطية  والتي رفعت شعار  » لا للدولة الدينية ولا للدولة البوليسية »  والتي وإن كانت أبعدت شبح الدولة الدينية المزعوم فإنها حتما أوقعتنا في كابوس الدولة البوليسية وأعادتنا إلى دولة أفضع من دولة الحزب الواحد. لهذا فإنه لم يعد مبررا ولا مقبولا أن تستنسخ هذه التيارات السياسية نفس الأخطاء وتكون دائما المفتاح السحري للدولة البوليسية الاستبدادية تحت شعار الديمقراطية ثم يعودوا بعد سنوات ليتباكوا على الديمقراطية ويتاجروا بها مرة أخرى، كما أن عليهم أن يدركوا أنهم إذا أرادوا هزيمة الإسلام السياسي فعليهم هزيمته في مناخ الحرية  وليس باستدعاء الدبابات، لأن الدبابات وإن كانت قادرة على إزاحة الإسلام السياسي من الحكم أو المشهد السياسي  فإن الأمر لا يعدو كونه مؤقتا، بينما هزيمته الحقيقة لن تكون ممكنة إلا  في جو من الحرية، فالأفكار لا تهزم بالأذى أبدا.

ثامنا:  المسألة لا علاقة لها بالانحياز لطرف دون آخر ولكنها لمبادئ ظننا أنها أصبحت مستقرة في وجداننا، ولهذا فإني أود توجيهه سؤال لمن يسمون ديمقراطيين أو حداثيين: لنفترض أن التيارات الإسلامية أسوأ ما في الوجود وأن هؤلاء لا يستحقون المشاركة في الحياة السياسية بل ولا الحياة البيولوجية ، ولكن إذا كان التاريخ سجل حالات ناذرة جدا أفرزت فيها الانتخابات الحرة استبدادا فلا أعتقد أن التاريخ سجل يوما أن إلغاء أصوات الشعب والدوس على الصناديق بالدبابات والانقلابات أفرز دولة غير دولة الغاب والفساد والاستبداد وإستباحة كرامة المواطن والتبعية للخارج، فعندما سُئل آينشتاين عن  تعريفه للغباء أجاب: تَعْرِيِفِيِ لِلّْغَبَاء؛ هُوَ أَنْ تُدَاوِم عَلَىَ فِعْلِ نَفْسِ الأَشْيَاء بِنَفْسِ الْطَّرِيِقَةِ وَتَتَوَقَّع أَنْ تَحْصُلَ فِيِ كُلِّ مَرَّةٍ عَلَىَ نَتَائِجَ مُخْتَلِفَة؟. فهل أنتم متعظون؟ . أيضا، إن عصر انقلابات الخمسينات والستينيات والتسعينات  وعصر الإنفراد بالضحية قد ولَّ في ظل الفضاء الإعلامي المفتوح و الفاضح والمفضوح،  وأننا اليوم أمام جيل من الشباب يرفض العودة لقمقم الاستبداد من جديد ومستعد لتقديم نفسه قربانا للحرية، هذا الجيل الذي صُدم قطاع عريض منه في نخبة حدثته يوما عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والكرامة. ولهذا وفي ظل هذه الدماء المستباحة والكرامة المداسة لقطاع عريض من الشعب المصري وربما التونسي خلال أسابيع وكذلك حالة الإسفاف الإعلامي، أخشى أنه كما كان شعار الثورة الفرنسية  » اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس » أن تشمل شعارات الموجات الثورية القادمة أسماء عديدة من رجال دين، وإعلاميين وقضاة ونخب سياسية  من أطياف مختلفة.

 

 


Nombre de lectures: 160 Views
Embed This