DzActiviste.info Publié le mer 3 Juil 2013

هكذا الثورات تـُخنـَق، وهكذا تـُغرَق »!

Partager
احمد بن محمدAlgérie meurtrie
الأربعاء 3 جويلية 2013 

يبدو تاريخيا أنّ الكثير من حركات التغيير الكبيرة لم تُؤتَ من قوّة أعدائها بقدر ما أتى عليها ضعف مناعتها.

إنها هشاشة يستغلها الخصوم في المنبت، حتى إذا أفلتت الثورات من أيديهم، راحوا يؤذونها وهي فسيلة تطلب المرقىَ كي تصبح شجرة، أصلها ثابت وفرعها في السّماء!

وتلك هي إشكالية « الثورة المضادة ».

ذلك أنّ كبريات قوى الركود العفِن  تتصيّد مكوّنات التغيير وهي تختمر، فتمسخ وجهته، مثلما أنها تترقب عناصر انبلاج صبحه كي تطمسه!

إنهما مسلكان مختلفان في الخط، متفقان في الهدف المُنصبّ على استدامة ظلام بهيم، فيطول بذلك الاستمكان المُضنِي ويتأخـّر التمكين السّـُننِي.

فهل رأى الناس لصّ ليل يأسف على بُعد طلوع شمس؟

***

لا يسأم الاستعمار الخارجي أو ربيبه الداخلي – في العالم الثالث – من الاستعداد الدائم لإجهاض كل محاولة انعتاق جماعي وهي تتفاعل أو تستعدّ ليذوق الناس أكلها.

فكأنّهما استوعبَا نصيحة الكاتب الفرنسي ريفارول وهو يصدع بأنّ « أفضل أسلوب لتفادي ثورة، يتمثل في قيامك أنتَ بها »!

ولكن الظالم، على دهائه، تلميذ نـَسِيّ!

وانظر إلى فرنسا المجرمة وهي تحمل الشعب الجزائري حملا على الثورة، وقد كان بإمكانها مغادرة ديارنا قبل 1954، فتوفـّر على أهلها واقتصادها فاتورة غضبة شعب عارمة أوشكت عام 1958 على زعزعة باريس نفسها!

يا « فافا » الحمْقاء والأنانية! كيف تاه بكِ عُتوّك حتى كدت تفقدين رأسمالك – فرنسا – وأنتِ عند غيرك – الجزائر – تطلبين أرباحا؟

ولكن الغبيّة فهمت متأخرة الدرس، فأقرّت مكرهة بشبه استقلال مستعمرات كثيرة لها بافريقيَا.

بل زادت في تجسيد دهائها وهي تعطي مستعمراتها في الجزر السمراء – من كاليدونيا إلى غوادلوب – حقوقا سياسية ومادية أسكتت بها أكثر المطالبين بالانفصال عنها!

آه! لو درى كل الناس هناك أنّ خلق الله تعالى ليسوا معِدة تُملأ ولا جسدا يكسَى ولا سيارة فارهة تُركب!

ألمْ يَصرخ في وجه الدنيا ذلك الضابط الملتصق بفرنسا وهي تذله بالجزائر في القرن 19: « عربي عربي! ولو كان الكولونال بن داود! »

بل فهمها إيمي سيزير المرتينيكي وهو يبحث عن مخرج نفسيّ من افتقاد الهوية المريحة، فلم يجد سوى الاحتماء، مع سينغور السنغالي، بما سَميّاها « الزنجية »!

وهو الرئيس الافريقي المسكين الذي لم يفهم سيّده ديغول عندما سبّه، في جملة مليئة بالتوجيه اللغوي المتهكّم، قائلا له: « مع كل هذا البياض [كذا]،لا يمكنك أن تكون إفريقِيّاً »!

*

أما على المستوى الداخلي، وعلى غرار ما يحدث في الصراع الفكري، فإنّ « الفجر الكاذب » كان إحْدى حِيلتين كبيرتين استُعمِلتا في خنق كل مشروع تغيير حقيقي، وذلك عبر صرف الاحتقان المجتمعي المتنوّع، بسلاسة تعطي الانطباع، إيحاءً، بتحقيق التغيير دون حاجة إلى جراحة ـ سواء أكانت بالمنظار أم بالمشرَط!

 

فقد شاهد العالم كيف سارع الملِك المغربي إلى امتصاص صدمة الثورات الشعبية وهو يهَب الشعب دستورا على المقاس، مبَطـّنا بفتات حريّات ألقى به إلى الناس!

بل زاد في « كرَمه » السياسي وهو يمنح رئاسة الحكومة إسْلاميّين يحافظون على العرش الملكي وهم فرحون بمناداته « جلالته، جلالته »، مثلما يحبّ إخوان لهم ترديد « فخامته، فخامته »!

*

وفي الرّياض، تسبّب البوعزيزي في إثراء أسلاك عديدة يعتمد عليها النظام دعائمَ ودروعا، عبر تلك الزيادات الخيالية في المرتبات والمكافآت!

فما أشبه أهل سلطة هنا أو هناك بعبْدٍ، حسِـب الشاعرُ قديما أنه لا يُشترَى إلا والعصا معه!

*

أمّا هنا، فقد كانت استرَاتيجية مواجهة أحداث تونس ومصر منصبّة على  تضخيم سيميائي في فاتورة الثورات العربية – لا سيما بعد عسكرة التغيير الذي بدأ سلميا في ليبيا – مع التبشير بـ »إصلاحات » لم ينتبهوا لهَا طيلة أكثر من اثنتي عشرة سنة!

ولكن الخطاب الرسمي المرتبك لم يفطن أصحابه لاتّسامه بالتناقض والقوم يضيفون إلى « الإصلاحات » مقولة السبق إلى الثورة في 1988 !

فلِمَ « الإصلاحات » إذن لو أنّ أكتوبر بشقه الدامي المُحزن كان كافيا؟

ثمّ أيّ ثورة مكتملة خرجت من رحم 5 أكتوبر والشعب يدفع بعدها فاتورة نحو مائتي ألف ضحيّة خسرها البلد، من هنا ومن هناك، في حرب أهلية رعناء؟

*

إنّ مثل هذا التخبط هو الذي جعل الاعتراف بالأمازيغية لغة وطنية، عام 2002، عملية سياسية قسْرية استهدفت تفريغ شحنة تذمّر « العروش » في بداياتهم، فكان التعديل الدستوري المصاحب لها غير كافٍ لدى جماعة – أصبحت الآن تطالب بترسيمها – ومبالغاً فيه عند جماعة أخرى!

ولو أنـّهم عادوا لِلحَق والواقع لقالوا إِنّ اللسان الأمازيغي ليس وطنيّا ـ فهو « فوق – وطني »، يتحدث به الجيران خلف حدودنا – مثلما أنّ لسان الضاد ليس وطنيا – لأنـّه دولي وكونيّ!

ومع هذه العشْرة الأخوية، فمَن مِن أهل لغة القرآن يخاف استفتاء أو توافقا فيهما نشْر أمازيغية بحرفها الأصيل، بحيث ينتفي نصف البربريّة المبنيّ على طرد تِـيفيناغ وتكفـّف الأبجدية اللاتينية؟

فما هكذا يكون الوفاء للأجداد!

*

ولكنّ الفجر الكاذب لم يفترق أحيانا عن توأمه المجسّم في « الحمْل الوهمي ».

وهو الإيحاء الذي حاول شاه إيران كذباً إغراء الناس به أواسط السبعينات عبر ما سمّاها وقتها « الثورة البيضاء »!

تصوّروا! طاووس الشرق الأوسط ودركيّ واشنطن في الخليج يقوم بثورة!

وتذكّروا بن علي قبل فراره من تونس بساعات وهو يَعد بالديمقراطية الكاملةّ!

ولا تنسوا مبارك عندما تظاهر بعدم التمديد أو التوريث في خضّم ثورة ميدان التحرير!

 

بل المفاجأة تكون أقوى وأمرّ عندما يستفيق الناس من سكرة « تغيير- أنابيب »، عبر تلقيح صناعي يجدِّد الواجهة ليحفظ القرص الصّلب!

وهذا ما تسعَى له ـ مثلا ـ دمشقُ مع الروس وطهران…

***

لئن كان المشروع الثوري معرّضا للأذى جَـنيناً، فلا غرو أنه مستهدف وليداً وكبيرا!

فالسامريّ – بعجْله – استغل هشاشة إيمان بني إسرائيل بعد تحريرهم من طغيان فرعون، وراح ينسف أساس الكيان السياسي الجديد، بعد أن تسبّب في استضعاف سيّدنا هارون -عليه السلام.

لكن دعْ عنك مبالغة المؤرخ توينبي وهو يصوّر نهاية الخلافة الراشدة الرباعية في شكل انتقام كليّ قادَه  بنو أميّة ضد بني هاشم.

*

إنّ حصانة الكثير من الثورات في العالم ضد أعدائها يجعل الجزائريين، أصحاب أعجوبة 1 نوفمبر، يغبطونها ـ من أمريكا عام 1776 إلى الصين فالفيتنام…

يا ثورة نبتتْ ونمَتْ حَصَاناً، وحيّرت الشقيق قبل أن تبهر الصديق! ما لكِ تُحالين حِصَانا يمتطيك الغريبُ ورديفه التليد؟

يا ثورة تجاوزت بركاتها حدود الجزائر: فما أعظمك، وما أكرمك ولكن ما أغفلك!

وإلا كيف يسرقك ديغول، الذي هزمتِه مع الأطلنطي، وهو يتسلل لِواذاً إلى مفاصل دولتك الوليدة، حتى أطبق عليها بصورة غير مباشرة بُعيد 1988، وقد آل المِقود فيها إلى أحد أربّته المجاهر في الصحف باحتساء هاينكن الهولندية!

ولا تسأل عن أصحاب مأساة ليزنفاليد العسكرية!

*

كم أبدى بومدين بُغض فرنسا المؤسساتية وهو يمكّن لها لساناً وثقافة ومفاصل دولة!

ذلك أنه كان يحبّ وطنه حبّا يأتي بعد حبّ نفسه!

وكي يخلو الجوّ لقنبرة، راح يقتل العقيدَ تلو العقيد – قبل و بعد 1962 – حتى اغتال شخصا مثل خيضر أو كريم، بينما كان يحرص على تقوية أولاد فرنسا، لأنهم كانوا أطوع في حراسة مُلكه المغتصب!

أفلا يكون بوخروبة في ذلك كله لاهثا وراء طمس ينابيع الثورة، وهو الذي لم يذكر له التاريخ اسما في الحركة الوطنية ولا في اندلاع النيران التحريرية عام 1954؟

***

لا تشكّل الثورات الشعبية مجرد مطامع لدى قوى الشر الطامحة إلى الانقضاض عليها -استرجاعا لمصالح زالت أو طلباً لمنافع أطلـّت.

ذلك أنّ نجاح حركات التغيير الشعبية يغري بعض المتخلفين عنها بامتطائها.

ألمْ يذكر القرآن العظيم أولئك الذين يغيبون وقت المغرم ثم يحضرون وقت المغنم وهم في لجاج: [سيقول المخلـّفون إذا انطلقتم إلى مغانمَ لتأخذوها ذرونا نتّبعكم] أو [فسيقولون بل تحسُدوننا] أو [فإن كان لكم فتْح من الله قالوا ألم نكن معكم]؟

إنهم « الدواخل » على المشروع الثوري الذين لا يقلـّون خطورة عن المتسلقين.

فهم « أصحاب 19 مارس »، كما يقول الجزائريون.

 

وهم رُجـْلة الساعة الخامسة والعشرين الذين لا يحجزون تذاكرهم في قطار الثورة إلا وهو يهمّ بدخول محطة المنتهَى!

*

ما أكثر أشباه النعاج التي حرّرها البوعزيزي، فراحت تسبّ القذافي المنهار وهي التي كان منها الداعية المتزلـّف في طرابلس، والمحامي عنه في أوروبا، والمتخذ ابنه مموِّلا أو صديقا!

ولقد استغرب الناس رؤية ممثلات غافلات في ميدان تحرير تأخرَ عنه بعض الدعاة الكبار إلى حين اندحار مبارك…

بل المصيبة أدهى وداعية يحدّث المصلين عن أسماء الجبّار الحسْـنى، وهو لا يرتقي إلى شجاعة مُغنيّة غامرت باستنكار بطش سفاح دمشق وحبيب المتمسّحين بسيّدنا الحسين!

واضحكي يا دنيا أو ابكِ وأنت تشاهدين بعض خدَم مبارك يتزعّمون جبهة إنقاذ في مصر!

ولكن العتاب الأوّل على الذين مهّدوا لهم مثل هذا المرتقىَ الكاذب.

ألا تخشون يا أبناء البنّا أن يقول الناس عنكم غدا: على نفسها جنتْ براقش؟

ولا تتمادوا في مغالطة النفس بعد أن امتلأت الميادين، في 30 جوان، بمن لم تقنعوهم بصدق نيّة أو بصواب عمل!

لئن أصررتم على تكرار أخطائكم، ما لكم من مبرّر وأنتم تجنون على أنفسكم وعلى مصر، قبل أن تؤذوا إخوة لكم في مغرب وفي مشرق!

يا من حسِبكم الناخبون المصريون أطباء، لا تكونوا مرضى!

*

وفي الجزائر، القريبة من تونس، اشتمّ بعضنا رائحة تغيّر الأجواء السياسية، فراحوا يتنصّلون من المشاركة، بل لا يتوانون عن تزعّم المعارضة!

لا يستوي أصحاب نادي الصنوبر وأصحاب باش جراح!

أصحاب باش جراح هم الصّادقون!

فإلى متى وبعض السياسيّين يصومون في الحرّاش ويفطرون في أعالي العاصمة؟

إنّ ديغول الكافر المجرم كان في هذا السياق أكثر صدقا وهو يعترف بأنّ الثورة لا يقوم بها من يسكن الحيّ الباريسي الثامن المترف!

*

إنّ التصحّر السياسي في الجزائر أفضى إلى طمع مجموعة من الناس تريد أن تشبه الثعبان: فلا تحفر ولا تبيت في العراء!

كأني أنظر إلى القوم وهم يصطفون أمام فندق الأوراسي منتظرين سيارة مصفحة تنزل من محيطه لتحملهم إلى المرادية!

أيها الصامتون منذ سنوات، اعتبروا بما يوصل إليه كلّ ربع كرسي ممنوح – من تبعيّة واعتلال صحّة! 

***

إنّ ديدن اللصوص الطامعين اقتحام الحصن و استراق المتاع. فما للحُماة يغفلون عنهما رُقـُودا أو سُذجا؟

أما الحرّاس الأيقاظ، فهم الذين لا يغفلون عن المشروع التغييري ـ مسِيرا ومصِيرا.

ولكن ليطمئن أهل الحق: [فالله خيرٌ حافظا وهو أرحم الرّاحمين].


Nombre de lectures: 225 Views
Embed This