DzActiviste.info Publié le dim 30 Déc 2012

هل صحيح أن الحقول النفطية الجزائرية معرضة للنفاد في مدى قصير؟

Partager

كثيرا ما سمعنا هذه النغمة « عن قرب نفاد المحروقات » من أوساط مختلفة على عدة مستويات حتى من أعلى المسؤوليات في السلطة، لكننا نعتقد أن المعلومات دعائية بالدرجة الأولى.

مؤخرا أوردت تقارير غربية فرنسية على الخصوص، نشرتها جريدة الخبر في عددها الصادر في 16 ديسمبر 2012 أن مستوى إنتاج المحروقات في عدد من الحقول الجزائرية في حاسي بركين، قد تراجع بشكل ملموس في الآونة الأخيرة، وأشارت هذه التقارير أن هذه المعطيات تتقاطع مع معطيات قدمتها منظمة « الأووبيك »، حيث ذكرت هذه التقارير أن انخفاض مستوى إنتاج النفط الجزائري خلال هذه السنة (2012) تجاوز الـ 40 ألف برميل يوميا، بل إن إحدى النشريات الفرنسية المتخصصة، المستندة إلى معطيات استقتها من عدد من شركاء مجمع سوناطراك، أشارت إلى أن عدة حقول نفطية تستثمر فيها عدة شركات فرنسية مع المجموعة الجزائرية « سوناطراك » قد عرفت انخفاضا محسوسا. وعلى الرغم من أن هذه التقارير أشارت إلى أن العديد من الحقول البترولية أخذت تتجه نحو النفاد، إلا أنها ركزت في المعطيات التي أوردتها على حقول « حاسي بركين » التي يجري استغلالها بالشراكة بين سوناطراك وأناداركو الأمريكية، والتي تدنى فيها مستوى الإنتاج حسب هذه التقارير إلى مستوى 50 ألف برميل يوميا، حيث أضحت هذه المجموعة تنتج ما مقداره 150 ألف برميل يوميا، بينما كانت في السابق تنتج أكثر من 200 ألف برميل.

وفي نفس السياق– ودائما حسب معطيات هذه التقارير – عرف أيضا إنتاج حقل  »أورهود »، وهو من حقول حاسي بركين، الذي تستثمر فيه شركة سوناطراك بالاشتراك مع  »سيبسا » الإسبانية تراجعا ملحوظا، حيث انخفض الإنتاج الحالي إلى أقل من 230 ألف برميل يوميا. ويعرف حقل  »روغد ولاد جمعة » هو الآخر نفس الحراك التنازلي. وإذا كانت جميع هذه الحقول توجد في حوض  »بركين » الرئيسي الذي يعد أحد أهم المناطق النفطية، والذي تم اكتشافه خلال التسعينات من القرن الماضي، وبدأ مرحلة الإنتاج في سنوات 2000، فهذا يعني طبقا لهذه المعلومات أن هذه الآبار المكتشفة حديثا التي عوضت الكثير من الحقول التي وصلت إلى مرحلة النفاد في حاسي مسعود وغيرها قد أخذت تميل نحو النفاد. أي أن حقول حاسي بركين نفسها أضحت من الحقول التي بدأت تعرف تناقصا واضحا في كمية الإنتاج لدى مختلف المجموعات النفطية التي تتولى الإنتاج في هذا الحوض الرئيسي.

لكن ما ينبغي الإشارة إليه أن هذه التقارير تجاهلت الحديث عن أسباب نقص المادة البترولية في هذه الحقول، واقتصرت على تسجيل الانخفاضات المسجلة بالتفصيل وبالأرقام لدى مختلف المجموعات الإنتاجية المشتركة مع سوناطراك، كما اقتصرت على ذكر المحاولات التي تبذلها الحكومة الجزائرية لتعويض النقص المسجل في المادة النفطية، باستثمار القطب النفطي الجديد  »الميرك » الذي يجري استغلاله « مع مجموعة « أناداركو » الأمريكية والذي يرتقب أن ينتج حوالي 100 ألف برميل يوميا، وكذا بئر السبع مع  »بتروفيتنام » الذي تصل قدرته الإنتاجية إلى حوالي 36 ألف برميل يوميا، ومنزل  »لدمات » بالشراكة مع  »كونوكو فيليبس » الذي يصل مستوى لإنتاجه حوالي 30 ألف برميل يوميا، ومركب النطاق الأوسط مع  »إيني » الإيطالية والذي ينتج بطاقة إنتاجية مقدارها 8530 برميل يوميا، إضافة إلى حقل  »تاكوارت » الواقع بحوض إليزي بالجنوب الشرقي والذي تستثمر فيه شركة  »روسنافت » بمعدل إنتاجي يبلغ حوالي 38 ألف برميل يوميا. وتضاف إلى هذه الحقول حقول أخرى تستغلها سوناطراك بمفردها على محيط حاسي مسعود، مثل حقل حاسي دزابات وحوض بركاوي بمستوى إنتاج يصل إلى 60 ألف برميل يوميا.

والواقع أنه لا ينبغي أن ننتظر من هذه التقارير دراسات مفصلة عن هذه المعضلة بكل جوانبها، فهي غير معنية بذلك، وخاصة إذا كانت معطيات التقارير من النوع الدعائي الذي أطلقته الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات، لغرض إعادة النظر في قانون إنتاج المحروقات الحالي.

وما يهم بالنسبة إلينا بالدرجة الأولى هو الدور الذي تلعبه السلطة الحاكمة في هذه الإشكالية، والواقع أن هذه السلطة تهدف من هذا النشاط النفطي الإضافي على مدى ثلاث سنوات مقبلة إلى توفير طاقة إضافية تعويضية تقدر بحوالي 300 ألف برميل يوميا. غير أنها لم تحاول التحقق من مدى صحة المعطيات الواردة في تلك التقارير، فلم تفترض أنها قد تكون مجرد معطيات دعائية، ومن ثم اقتصرت محاولاتها المذكورة على النشاط الإضافي الهادف إلى تعويض النقص في المادة النفطية، وهي محاولات لن تحل المشكل القائم في حال صحته، بل سيظل هذا المشكل قائما سواء بالنسبة للبترول أو الغاز، فالقدرات الإنتاجية للجزائر تبقى في حدود 25 مليون ومئة ألف برميل يوميا. وبدلا من أن تحافظ على هذه القدرة بشكل محسوس أو أن تعمل على زيادتها طبقا للتقديرات المطلوبةـ بإدخال عدة حقول احتياطية في مجال الإنتاج أو البحث عن احتياطات جديدة للرفع من الطاقة الإنتاجية الفعلية، تكتفي الحكومة بالسعي إلى المحافظة على الطاقة الحالية، بل على الأقل منها بقليل، حيث أن تقدير منظمة « الأوبيك » في نهاية السنة الحالية (2012) لا يتعدى حدود19,1 مليون برميل يوميا، أي يقع تحت سقف 2,1 مليون برميل يوميا، وبالتالي أقل من مستوى حصة الجزائر في المنظمة. وبالإضافة إلى هذا، فقد طال الانخفاض أيضا الغاز الطبيعي الذي تراجع مستوى تصديره إلى حوالي 55 مليار متر مكعب، بينما كان مستوى تصدير الجزائر منه فيما سبق يتراوح ما بين 62 و63 مليار متر مكعب.

إن الزيادة في الإنتاج عن طريق استثمار المناطق البترولية المكتشفة ليس بالحل الصحيح، لأن هذه المناطق هي نفسها تخضع لنفس المعطيات التي تحدثت عنها التقارير السالفة في حال صحتها، في حين أن التحقق من معطيات التقارير السابقة مسعى ضروري، ليس فقط من أجل وضع حد للشائعات التي تروج بأن حقولنا البترولية مشرفة على النفاد والتي تثير الكثير من القلق على مستوى مختلف الأوساط بما في ذلك الأوساط العمالية والكادحة، خاصة إذا علمنا أن الحكم لا يستثمر بشكل جدي وعقلاني الفوائض المالية الناجمة عن الإنتاج، بل يودعها في البنوك الأجنبية أو يقرض مؤسسات لا تحتاج إلى مثل هذه السيولة النقدية مثل صندوق النقد الدولي الذي اقترض من بلادنا حوالي 5 مليار دولار خلال هذه السنة. صحيح أن الثروة البترولية غير قابلة للتجدد في المدى القريب أو حتى المتوسط كما يقدر بعض الخبراء، ولكن هذه المعطيات لا تنطوي على حقيقة مطلقة، ومن ثم فهي تحتاج إلى الكثير من التمحيص والتدقيق، ففي الوقت الحالي لا يوجد ما يوحي بأن الاحتياطي المقدر قد أشرف على النفاد، استنادا إلى النقص الملاحظ في الإنتاج وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار إيقاع التطور التكنولوجي المتزايد الذي يمكن دوما من اكتشافات جديدة، فضلا عن أن المعركة حول البترول لا تجري حاليا، وبصفة أساسية، سوى على الأسعار، وليس على نفاد المادة البترولية. كما لا توجد على مستوى البدائل تقديرات بأن هذه البدائل ستوضع موضع التطبيق بشكل أساسي، فقد بينت التحاليل بأن الكثير من هذه البدائل ما تزال مجرد فرضيات فضلا عن تكاليفها العالية.

حقا تواجه الجزائر تحديات في الظرف الراهن، غير أن التحدي الحقيقي يكمن إزاء وتيرة الارتفاع المعتبر للطلب المحلي، وليس في نقصان أو نفاد الحقول البترولية الجديدة. إنه لمن المستبعد، استنادا إلى المعطيات السابقة، أن تتحول الجزائر، على « غرار السيناريو الأندونيسي »، إلى بلد « غير مصدّر أو على الأقل محدود التصدير »، كما يستخلص من هذه التقارير. فأبحاث الاكتشاف التي توقفت لفترة محدودة تؤكد على أنه ما تزال هناك إمكانات معتبرة لاكتشاف احتياطات هامة خلال السنوات المقبلة. ولهذا السبب ستضطر الجزائر، إلى إعادة بعث عمليات البحث والاستكشاف التي توقفت، منذ سنوات، بسبب التحفظات التي أبدتها الشركات متعددة الجنسيات على قانون المحروقات الذي تم فيه تثبيت النسبة المئوية التي كانت مقررة من قبل 49، 51 في المئة لصالح الجزائر.

والواقع أن هذا هو بيت القصيد، فهذا التحفظ يتعلق بشروط الإنتاج التي أكدتها الجزائر، وهذا ما جعل الشركات الأجنبية المستثمرة مستاءة من هذه الشروط التي تحرمها من التحكم كلية في مصائر الإنتاج وكميته وسعره، ويترتب على هذا الاستياء أن المعركة ليست تكنولوجية محضة فقط، بل سياسية أيضا.

إن المشكلة الأساسية أن النظام الحالي الكمبرادوري والتابع للإمبريالية عاجز عن التصدي للضغوط التي تمارسها الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات العاملة في حقول البترول بالصحراء الجزائرية لفائدة المصلحة الوطنية ولصالح تنمية حقيقية، باستعمال فوائض البترول الحالية.

أما نقصان ونفاد البترول، فإن المعطيات التي تقال عنه تندرج في إطار الدعاية التي تبثها هذه الشركات متعددة الجنسيات نفسها بغية تغيير شروط الإنتاج لصالحها، مثلما تمارس ضغوطها لكي لا يستثمر الاحتياطي البترولي في التنمية، وترغم الجزائر على إيداع عوائدها الاحتياطية في البنوك الأجنبية. غير أن تغيير شروط الإنتاج أو بقاءه يتوقف على مقاومة الضغوط الممارسة على الجزائر، وفي الوقت الحالي تبدو المقاومة ضعيفة بسبب الطبيعة الطبقية للنظام الكمبرادوري، فمنذ مدة تروج الأخبار حول تفكير السلطة عندنا في التخلي عن شروط الإنتاج 49، 51 في المئة، والسلطة أو جزء منها قابلة بهذا التغيير خضوعا للضغوط الممارسة، وتنازلا عن مصلحة البلاد، في نفس الوقت تلجأ إلى نغمة أنه ينبغي رفع الصادرات خارج البترول، ولكن أيا من هذه النغمات لم يتحقق، لأن السلطة مكبلة بعدد كبير من الضغوط، بما في ذلك تلك التي تبين الوقائع أنها مجرد موالاة مع الدعاية الأجنبية.

إنه لمن الممكن تفنيد الإشاعات المتعلقة بنفاد البترول عندنا، نتيجة لانخفاض الإنتاج، لأن انخفاض الإنتاج لا ينم بالضرورة عن النفاد، بل قد يكون هو نفسه أحد وسائل الضغط، ولكن لكي نحول عملية تزايد الاحتياطات البترولية المقدرة لا بد من انتهاج سياسة جديدة معادية للإمبريالية وشركاتها التي تريد الاستحواذ على ثرواتنا، ولكن بما أن النظام الحالي لا يستطيع إنجاز هذه المهمة الاستراتيجية، فلا بد من تغييره وتلك هي المهمة الأولية للقوى التقدمية والمعادية للإمبريالية وللوطنيين المخلصين، وهذا يتطلب تغييرا جذريا للسياسة الحالية للسلطة، لكن إجراء تغيير جذري لهذه السياسة يتطلب إعادة النظر في الأسس السياسية والاقتصادية والإيديولوجية التي يقوم عليها النظام.

محمد علي

30 ديسمبر 2012


Nombre de lectures: 293 Views
Embed This