DzActiviste.info Publié le mar 26 Fév 2013

هل يستطيع مناف طلاس الإسهام في حل الأزمة السورية سلميا؟

Partager

1- تمهيد:

يعد العميد مناف طلاس أحد أركان المؤسسة العسكرية والأمنية في سوريا، ومن الضباط الذين انشقوا عن الجيش السوري، لكنه، وربما بسب هذا الانتساب للمؤسسة العسكرية الرسمية ومكانته فيها، لم ينظم رسميا إلى ما يسمى ب »الجيش الحر »، ولا لما يسمى بالمعارضة السورية السياسية والعسكرية القابعة في استامبول، بل اختار باريس للإقامة كمعارض سياسي للنظام السوري الذي كان أحد الفاعلين فيه، وربما كان يأمل باختياره هذا الشكل السلمي للمعارضة أن يسهم في البحث عن كيفية معالجة الأزمة الحالية بطرق سلمية تقفز به إلى الصف الأول في الوضعية السورية الحالية والمستقبلية. ولكن يلاحظ أنه منذ انشقاقه التزم الصمت وامتنع عن التصريحات. ولا نعتقد أن هذا السلوك منه كان عفويا أو صدفة، بل ربما كان نتيجة لحسابات مدروسة، بحيث لن يتكلم إلا في الوقت المناسب. ويمكن القول الآن، أنه أحس بضرورة الكلام وتقديم أفكاره عن الأزمة وعن سبل حلها، ولذا خرج عن صمته مدليا بأول حديث لوسائل إعلام روسية. ولم يكن اختياره لقناة روسيا اليوم بمحض الصدفة أيضا، بل كان بهدف التمكين لأفكاره وتوصيلها إلى السلطة عن طريق جهة محايدة، أو منحازة في نظر مؤيدي المعارضة، للنظام، أي أن الموقف الروسي يعد في نظر الغربيين منحازا للنظام السوري تماشيا مع مصالحها الخاصة. وقد عبر مناف طلاس عن وجهة نظره بشكل مفصل، في هذه المقابلة، عما آل إليه الوضع بعد ما يقرب من عامين من الاقتتال بين النظام وبين المعارضة المسلحة المتمثلة فيما يسمى بالجيش السوري الحر والمجموعات الإرهابية التي جاءت من أكثر من 20 بلدا من البلدان العربية والإسلامية، وحظيت باحتضان من دول الجوار وخاصة تركيا والسعودية وقطر، وبتأييد من الدول الإمبريالية وإسرائيل والحلف الأطلسي. وقد لخص مناف طلاس رأيه في الأزمة بالقول إن الفوضى تسود سوريا الآن، « معبرا عن اعتقاده بأن هذا الغموض، أو هذه الفوضى على نحو أدق، لا يمكنها أن تسقط النظام » كما ترى الدول الإمبريالية وبعض أطياف المعارضة. وأعرب عن اعتقاده بأن سقوط النظام اليوم يعني أن هذه الفوضى هي التي ستحل محله، مما سيؤدي بدوره إلى كوارث ليس لها حساب. ونتيجة لذلك، أكد طلاس على أنه من الضروري من أجل إيجاد مخرج حقيقي للأزمة لا يد أن يشارك ممثلو جميع الطوائف الدينية في تغيير النظام وليس بالضرورة إسقاطه، كما شدد في نفس الوقت على أن سورية بحاجة الآن إلى صناديق الاقتراع « أو الحل السلمي كما يرتضيه الشعب السوري، وليس البنادق والأسلحة والعتاد العسكري الحديث لإسقاط النظام بالقوة، على الرغم من أنه أقوى منها.

2- مضمون الحوار وأقسامه:

وفي هذا السياق نقدم لقرائنا ملفا تحت عنوان « هل يستطيع مناف طلاس الإسهام في حل الأزمة السورية سلميا؟. ويتكون الملف من ثلاثة أقسام:

القسم الأول يتضمن تلخيصا وتحليلا لمضمون المقابلة التي أجرتها معه مديرة مركز آسيا والشرق الأوسط بمعهد الدراسات الاستراتيجية في قناة روسيا اليوم، حيث نستشف من هذه المقابلة مجمل آرائه حول الأزمة وسبل حلها. والقسم الثاني يتناول وجهة نظرنا في مجمل الآراء والأفكار التي أدلى بها مناف، ومدى قابلينها للتنفيذ. والقسم الثالث والأخير هو عبارة عن استخلاص النتائج الناجمة عن مضمون المقابله ومدي إمكان توظيفها على ضوء التطورات المستجدة.

أ- القسم الأول:

يتعلق القسم الأول بتلخيص آراء وأفكار مناف طلاس التي أدلى بها خلال المقابلة التي أجرتها معه قناة « روسيا اليوم » بواسطة الصحفية بلينا سوبونينا مديرة مركز آسيا والشرق الأوسط بمعهد الدراسات الاستراتيجية:

يبدأ هذا القسم بطرح سؤال عليه من قبل بلينا حول رأيه في المبادرة التي أطلقها معاد الخطيب رئيس الائتلاف السوري المعارض للتفاوض مع ممثلي النظام بمشاركة الأسد أو بدونه، فأجاب مناف بشكل عام بأنه يؤيد أية مبادرة من شأنها أن تؤدي إلى إنهاء الاقتتال بين السوريين، ولكن دونما تحديد واضح عن موقفه من الأسد هل هو معني بالمبادرة أم لا (لكنه أعرب فيما بعد عن رأيه في أن الأسد قد تجاوزته الأحداث، ومن ثم لا ينبغي أن يكون معنيا بأي تفاوض بين النظام والمعارضة). وخلال الاستجواب لخص موقفه مما يحدث في أربعة سينياريوهات ليس من بينها سوى سيناريو واحد ما يزال قابلا للحل الآن في نظره.

*- السيناريو الأول: يكرس الفوضى في البلاد، ولذلك هو يرى أن هذا السيناريو عقيم ولا ينتج سوى الفوضى التي لن تسقط النظام، والتي إذا سادت سيادة مطلقة، فستؤدي إلى كوارث وإلى حرب أهلية، ومن هنا يرفض هذا السيناريو جملة وتفصيلا، ويرى أن الفوضى لن تكون خلاقة على حد اعتقاد رموز الإدارة الأمريكية السابقة، ومنهم، وربما أهمهم، كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية السابقة لجورج وولكر بوش.

*- والسيناريو الثاني: يكمن في بقاء واستمرار الصراع بين النظام والمعارضة المسلحة، وهذا السيناريو يحمل مخاطر لا تقل عن السيناريو الأول، إذ أنه سيؤدي إلى تفكيك البنية التحتية السورية وإلى انهيارها وتحولها إلى دولة مارقة، كما تسميها القوى الإمبريالية الكبرى بقيادة الولاية المتحدة.

*- والسيناريو الثالث هو الذي كان يعول عليه في المراحل السابقة من الأزمة، وهو الانتقال السلمي الحقيقي للسلطة، وكان يعتمد في ميله إلى هذا الحل على الأصدقاء الروس، كما يقول، بأن ينهضوا بالضغط على النظام السوري في هذا الاتجاه، لكن هذا لم يحدث بسبب أن لروسيا رأيا آخر يتمثل في اللجوء إلى التفاوض بين الطرفين بدون شروط مسبقة، ولذلك استخدمت روسيا مع الصين حق الفيتو ثلاث مرات في مجلس الأمن الدولي الذي يعتبر أعضاؤه الدائمون، ما عد روسيا والصين، منحازين إلى المعارضة المسلحة، وقد لجأت روسيا إلى استخدام الفيتو بغية عرقلة اتخاذ قرار من مجلس الأمن يلزم سوريا بالركون إلى التهديد بالغزو..

*- أما السيناريو الرابع فهو الذي يرى أنه يمكن تنفيذه الآن، وهو في صيغته المتداولة حاليا بين مختلف الأطراف قابل للتنفيذ على الأقل من الوجهة النظرية، أو إذا توفرت شروط معينة، وإن كان من الصعب توفيرها. وما يراه مناف أن هذا السيناريو هو عبارة عن النظر إلى سوريا في الحالة الراهنة قبل سقوط بشار الأسد (وهو يعني سقوط الأسد وليس سقوط النظام). فكل العالم يتساءل حول ما سيحدث في اليوم التالي لسقوط الأسد. وفي الواقع – يضيف – سيتوقف مستقبل سوريا على ما سيحدث بعد تنحيته.

ويشرح هذا السيناريو منطلقا من أن سوريا تعتبر دولة – فسيفساء (والحقيقة أنها ليست دولة فسيفساء بل الأصح أنها مجتمع فسيفساء)، من حيث التكوين الطائفي. ولذلك من الضروري أن يشارك ممثلو جميع الطوائف الدينية في تغيير النظام، (عبارة تغيير النظام لا تعني رحيله أو إسقاطه، لأن التغيير قد يكون من داخل النظام نفسه، ولكن يبدو أن مناف يستعمل هذه العبارة للدلالة على السقوط، مما يعني أن مسألة رحيل الأسد أو رحيل النظام ما تزال غامضة في ذهنه، حتى يستطيع الجميع العيش فيما بعد في سلام ووئام، بصرف النظر عن معتقداتهم الدينية، وحتى تتم المحافظة على مؤسسات الدولة وبنيتها التحتية. (إن مشاركة جميع الطوائف في الحل بصورة متساوية أو متوازنة تقتضي الانطلاق من مبدأ متفق عليه بين الطوائف، وهو مبدأ علمانية أو مدنية الدولة. وينتهج النظام الحالي شكلا من العلمانية أو الطابع المدني الذي يوفر حدا معينا من السلم الاجتماعي بين هذه الطوائف، بينما عدم توحد المعارضة واحتوائها على مختلف الأطياف والألوان الطائفية، سيجعل من الصعب الوصول إلى هذا السلم المدني)، ولذا نجده يسعى إلى تجاوز المصاعب القائمة بالنسبة إلى هذا المشكل العويص، باعتبار أن المعارضة الموالية للإمبريالية وتركيا والدول الخليجية غير متفقة على أي حل باستثناء شيء واحد وهو رحيل الأسد، وهي مهما يقال معارضة طائفية، بل هي التي أذكت واقعيا نار الطائفية كرد فعل على ممارسة النظام للطائفية حسب وجهة نظرها.

وتطرح عليه الصحفية سؤالا محرجا ولكن جوهريا، وهو يتعلق بمدى استعداده للمساهمة في الحل السلمي وفي مدى استعداده لرئاسة حكومة انتقالية، فكان رده أن المهم ليس في تشكيل الحكومة في حد ذاتها، ولا في توزيع مناصبها، بل المهم هو التوصل إلى حدوث توافق حول المرحلة الانتقالية على المستوى المحلي وعلى المستوى الدولي، منتهيا إلى إقرار وجود مجموعات مسلحة تمارس الإرهاب، ولكن يتحمل النظام مسؤوليتها، بسبب انتهاجه الحل الأمني المسلح منذ البداية.

وتسأله المستجوبة باعتباره ينتمي إلى المؤسسة العسكرية، إذا ما كان على استعداد أن يلعب دوره في المحافظة على الجيش في غياب الأسد، فأجاب بأنه في حالة ما إذا طلب منه ذلك، فإنه على استعداد تام أن يأخذ على عاتقه أي دور، من شأنه أن يقلل من معاناة الشعب السوري، باعتباره ابن المؤسسة العسكرية، لكنه يشترط منذ البداية ضرورة وقف القتال والعنف المسلح بين الطرفين في أسرع وقت.

ويفسر ضرورة الاستعجال بوقف القتال، من أجل ربح الوقت والتمكين لنجاح السيناريو الرابع، فيرى أن كل يوم جديد من الحرب سيتطلب بعد ذلك شهرا كاملا لإعادة إعمار البلاد، كأنما العملية في سباق مع الزمن، كما أنه يرى أن سوريا بحاجة الآن إلى صناديق الاقتراع لا إلى البنادق الآلية. ولذا يجب على الأطراف المتقاتلة إلقاء السلاح والاحتكام إلى الصندوق. ويمكن فعل ذلك تحت رعاية الأمم المتحدة، كما يمكن للأصدقاء الروس أن يلعبوا دورا هاما في ذلك.
ويضيف موضحا ذلك إن الشعب السوري ينتظر أن تقول روسيا كلمتها وأن تساعد على وقف الحرب في سوريا، حيث كان بإمكانها منذ فترة غير بعيدة أن تمارس ضغطا أكبر على النظام، حتى يقوم بإجراء إصلاحات فعلية. ولكن فات الأوان، وبات هذا الأمر متأخرا. ولذلك تكمن مساعدتها الآن في بدء فترة انتقالية في سوريا طبقا للسيناريو الرابع.
وتلفت الصحفية نظره إلى غموض الفترة الانتقالية وأنها عبارة عن مصطلح فضفاض، وبناء عليه تطلب منه توضيح مفهومه « للفترة الانتقالية »، ومن يقوم بتسييرها، فيجيب بأنه لا يمكن للرئيس الأسد بعد الآن أن يقود الفترة الانتقالية (أي ينبغي أن يرحل ويزاح من الطريق). إن بشار الأسد ذاته يشكل عقبة في سبيل الوصول إلى حل للأزمة. ومن جهة أخرى لا يكمن الأمر في إجباره على التنحي، بل في صياغة « خارطة طريق » للعمل في أثناء الفترة الانتقالية، وفي هذه الحالة يجب على النظام أن ينفذ الالتزامات التي يتعهد بها في سياق هذا السيناريو، وهنا يمكن لروسيا أن تساعد على خطوات هذا الحل.

أما بالنسبة للمعارضة، فهو يعترف فعلا أنها تضم قوى مختلفة ومتنوعة، ولكن عليها أن تتوحد وأن تراعي فسيفساء المجتمع السوري. أي ينبغي في رأيه أن تضم المعارضة تمثيلا واقعيا وليس شكليا، بحيث تضم العلويين والدروز والأكراد والإسماعيليين والسنة وباقي الطوائف الأخرى.

ولكن المشكلة أن هذا التوحيد صعب جدا، إن لم يكن مستحيلا، فلا يزال الائتلاف السوري على سبيل المثال يعمل في فضاء سياسي ضيق، في حين كان من الضروري التعاون مع القوى الأخرى وأن يكون قريبا إلى الواقع وإلى ما يحدث في الداخل السوري. ولكن حتى الآن هناك نزعات وتوجهات في داخل الائتلاف لا تتماشى مع هيكل وبناء المجتمع السوري. وهو يعني بذلك أن المجالس العسكرية التي أنشئت في إطار الائتلاف، تشبه إلى حد ما جيشا سنيا خالصا، وهو ما لا يجب أن يحدث. فإذا كانت المجالس العسكرية ضرورية، فيجب أن يكون فيها تمثيل لكل الطوائف.

وتسأله المستجوبة عن مدى اتصالاته بالضباط في سوريا باعتباره ابن المؤسسة العسكرية، فيرد بالإيجاب، حيث يصرح بأن له اتصالات مع الضباط في الجيش الحكومي وكذلك مع الضباط على مستوى القيادات العليا في « الجيش الحر ». ويقول بأنه يبذل كل ما في وسعه لتحقيق الاتفاق بين الضباط من الطرفين على وقف القتال في سوريا. ويشير في هذا السياق إلى أن هناك ضباطا في الجيش السوري النظامي يريدون الانشقاق الآن، لكنه يعارض هذا الفعل، ويعلل رفضه بالحاجة إليهم في داخل الجيش النظامي، وهو يقصد هنا، قبل كل شيء، الضباط العلويين والدروز والمسيحيين. إذ يجب ضمان دورهم في الجيش في المستقبل، وفي حال وجود مثل هذه الضمانات، فإن الفترة الانتقالية ستمر أكثر سلاسة. وبوجه عام لابد أن يكون الجيش مدنيا علمانيا، يمثل مصالح المجتمع ككل (وكذا النظام عموما، وتبقى الطائفية مجرد ظاهرة اجتماعية موضوعية ستتلاشى تدريجيا). ويجب ألا تكون فيه أفضلية لإحدى الطوائف على غيرها، كما هو الحال الآن في ظل حكم الأسد (طائفة العلويين كما ترى المعارضة).

ويضيف أن الشعب السوري ليس بحاجة إلى نظام كهذا الآن، لكن في الوقت ذاته هو ليس بحاجة إلى المتطرفين الدينيين. فسوريا ليست في حاجة إلى تنظيم مثل « القاعدة » أو « جبهة النصرة ». إن الشعب السوري يرفض التطرف والإرهاب، وهو بحاجة إلى الوسطية (لكن الوسطية هي مجرد تسوية مؤقتة سرعان ما تنهار بسبب اختلاف مفهومها من طرف إلى آخر. تعليق الكاتب). لن تقسم سوريا ولا ينبغي أن تكون منقسمة. وفي الحرب الحالية لا يمكن أن يكون أحد ما منتصرا ومهزوما، فالانتصار والفوز سيكونان عندما يتم الاتفاق على كيفية العيش معا مستقبلا.
وتطرح عليه بلينا سؤالا عما يسمى « الجيش الحر » وهل هو موحد؟ فيجيب أنه غير موحد وأنه هو الآخر بحاجة إلى توحيد. فهناك نقص في الضباط، كما أنه بحاجة إلى تحسين بنيته التنظيمية.

وتوجه إليه سؤالا آخر، هل توجد مخاطر فعلية من إمكانية استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا؟.
فيرى أنه بالرغم من أنه ليس مختصا في هذه الوحدة، باعتباره ضابطا في الحرس الجمهوري، وليس في القوات الكيميائية، إلا أنه من الصعب ضمان أن النظام لن يلجأ إلى استخدام الأسلحة الكيميائية. فكل شئ محتمل وممكن. ونظرا إلى حالة الفوضى السائدة فلا بد من منع وصول الأسلحة الكيميائية إلى صفوف المعارضة المسلحة. ولأجل ذلك، يجب التأكيد من جديد على ضرورة التنسيق والتعاون بين الضباط من الطرفين. فالعسكريون سيفهمون بعضهم بعضا. ويمكن للعسكريين أن يوفروا معا السيطرة المطلوبة على المواقع التي تحتوي على الأسلحة الكيميائية. وبالطبع من الضروري الحصول على دعم المجتمع الدولي. والخلاصة أنه يجب إنهاء الحرب في سوريا.

تلك هي خلاصة آراء العميد مناف طلاس الذي انشق عن النظام ويريد أن يلعب دورا مأ في التغيير في سوريـا حسب السيناريو الرابـع الذي أوضحه. ولكـن هنـاك فرق بين الرغبة والفعل، وبين الإرادة والتنفيذ.

ب- القسم الثاني:

وهو يتعلق بوجهة النظر في مجمل الآراء والأفكار التي أدلى بها مناف، وهل هي قابلة للتنفيذ، وهل يمكنه أن يقوم بدور حسب السيناريو الرابع الذي شرحه.

وفي هذا الصد يمكن القول بأنه كان في صلب المؤسسة العسكرية، وهو وإن كان ينتقد المعارضة المسلحة، إلا أنه في الحقيقة معارض للنظام وإلا لما انشق عنه، وبالتالي يجب تغييره بالوصول إلى نظام يقبله الشعب السوري، ويتماشى مع هويته حسبما يصرح به.

ويتطلب تحليل وجهة نظره التساؤل فيما إذا كان من الممكن الوصول إلى حل حسب السيناريو الرابع الذي يتبناه، ولكي يتسنى ذلك لا بد تناول المعطيات التي وظفها في تحليل آرائه. الواقع أنه في سياق تحليلاته قد أورد معطيات صحيحة، وهي محل اتفاق، ولكن هناك معطيات أو معلومات هي خليط من آرائه الخاصة والمعطيات الموضوعية فمهما يقل عن سكوته أو صمته مثلا، فهو منحاز ضد النظام أو معارض للنظام. لا يمكن التعرف بالضبط متى بدأت هذه المعارضة، ولكن في تجلياتها بدأت منذ أن ظهر التمرد العسكري على النظام والانشقاقات التي وقعت في الجيش، ونتج عنها ما يعرف ب »الجيش الحر ». ويمكن التساؤل عن مدى جدية معارضته، فالأرجح أنها معارضة موقوتة ومرتبطة بالخلافات داخل المؤسسة العسكرية على الصلاحيات والنفوذ، فمن المعروف أن والده « العماد مصطفى طلاس » كان وزيرا للدفاع، في عهد حافظ الأسد، وقد أختلف مع خلفه ونجله بشار الأسد، في أمور لم تظهر على السطح وبقيت في طي الكتمان، ولم تثر أي تململ في الجيش السوري بدليل بقاء العميد مناف طلاس، ضابطا في الحرس الجمهوري، وكان من المقربين من الرئيس بشار الأسد قبل أن يعلن انشقاقه عن النظام. ومن الواضح أن الوالد مصطفى طلاس قد سبق ابنه لاجئا في باريس. لكن من المحتمل جدا – وهو احتمال ضعيف- أن تكون مواقفه هذه مجرد انفعالات تشكل انحيازا إلى موقف والده، لم يتمكن من الإفصاح عنها في حينها، فلما واتته الفرصة التحق بوالده في باريس منشقا عن النظام. ومن المحتمل أيضا أنه كان محسوبا على تكتل ما في الجيش السوري. إن سلوك وممارسات مناف ترشح كل الاحتمالات التي ذكرناها والتي لم نذكرها. لكن الشيء المؤكد أن موقفه بعيد كل البعد عن تطلع جماهير الشعب السوري العريضة إلى نظام ديمقراطي حقيقي يتجاوز حتى ما يمثله النظام بطابعه المعادي للإمبريالية.

ثم إن مناف طلاس لم يقدم تحليلا واسعا ومعمقا، ولم يفصح حنى ولو ضمنيا عن طابعه الطبقي ودوره المعادي للإمبريالية، وفي نفس الوقت لا يمكن أن يكون متعاطفا فعلا مع المجموعات الإسلاموية المقاتلة، بل هو يرى أن ممارساتها لا يمكن أن تسقط النظام كما سبقت الإشارة، بل لا تؤدي سوى إلى الفوضى. والمرجح أن معارضته ترتبط بالمجموعات الليبرالية التي تحظى بدعم من البلدان الإمبريالية وأعوانها في المنطقة بما في ذلك، بل وفي المقدمة منها إسرائيل.

ج-القسم الثالث:

في هذا القسم يمكن أن نطرح سؤالا يتعلق بإمكانات مناف الفعلية ، والدور الذي يتمنى أن يلعبه. أو مدى مساهمته في العملية السلمية في سوريا. وإذا كان النظام يرفض أن يقوم بأي دور، لأنه مهما يكن فهو مارق منشق على النظام، فها تقبل المعارضة غير الموحدة أن تسند له دورا ما في المرحلة الانتقالية أو المرحلة القادمة بشكل عام؟. إذا كان مناف طلاس يرغب في أن يقوم بدور في حل الأزمة السورية حاليا، فليس معنى ذلك أنه مقبول من الطرفين، فقد يكون مقبولا من طرف (كالمعارضة مثلا، الذي يتفق معها في ضرورة رحيل الأسد، وغير مقبول من طرف النظام، لأنه منحاز، وقد عبر عن ذلك، رغم أنه لا يمارس هذه المعارضة بشكل علني، ولكن نشاطاته المعارضة لا يمكن أن تخفى على النظام. وقد يكون مرفوضا من الطرفين لأسباب تختلف بين هذا الطرف أو ذاك. المهم ليس كل ما يرغبه المعني يفلح في ممارسته، على غرار ما يقول أبو الطيب المتنبي:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه ** تجري الرياح بما تشتهي السفن

2- النتائج المستخلصة ومدى توظيفها

ما هي النتائج المترتبة عن المقابلة ومدي إمكانية توظيف مضمونها على ضوء التطورات المستحدثة. في اعتقادنا أن طلاس لا يستطيع ولا يمكن لأي من الطرفين أن يطلب منه القيام بدور في حل الأزمة سلميا، وكل طرف يمكن أن يعبر عن أسباب رفضه.

فالمعارضة المسلحة بما في ذلك مايسمى « بالجيش الحر » الذي اعترف أن له اتصالا بضباطه، وأنه يطلب منه أن ينهي الاقتتال فورا والاحتكام إلى التفاوض السلمي بدون الأسد، هذه المعارضة رغم أنه يتفق معها على استبعاد رأس النظام من الحل، إلا أن ذلك غير كاف بالنسبة إليها، فهو أولا لم ينضم إلى هيئات المعارضة، ما يؤدي إلى انعدام مصداقيته أمامها، على الرغم من أن المعارضة تتكون من أطياف متعددة. وبالإضافة إلى ذلك قد يكون له مشروعه الخاص الذي لا يلتقي فيه مع المعارضة، وخاصة إذا كان يعبر عن كتلة معينة في النظام، وبالتالي فهو يريد الاستيلاء على السلطة ويحل محل السلطة القائمة، ثم يشرع في تنفيذ أجندته التي لم تتحدث عنها المعارضة إطلاقا. وباختصار فإن الرأي المرجح أنها لن تقبل من مناف أن يكون عرابا لها في التفاوض مع النظام ، حتى ولو كانت بموافقتها كما اشترط هو نفسه بذلك.

أما النظام فهو بالنسبة إليه فاقد للمصداقية، منذ أن أعلن انشقاقه وأصبح معارضا على طريقته الخاصة بباريس، وبالتالي لن يعتمد عليه أحد من النظام، لأنه في نظره يعمل لحسابه الخاص، وأنه يريد الانفراد بالسلطة بالتنسيق مع الإمبريالية في الخارج. وبالإضافة إلى ذلك فمناف طلاس، وإن كان قد عبر عن اعتماده على روسيا باعتبارها محايدة، أو منحازة إلى النظام حسب وجهة النظر الإمبريالية، إلا أنه من المستبعد أن لا يكون منسقا بشكل ما مع الإمبريالية، فهو وإن كان لا يمارس نشاطه المعارض بشكل علني، وربما بسبب ذلك، إلا أنه من المحتمل أن يكون عنصرا مأخوذا بعين الاعتبار بالنسبة للإمبريالية في حالة ما إذا فشلت المعارضة الموالية لها، في إسقاط النظام بالقوة. ومناف نفسه يرى أن المعارضة لا تستطيع أن تسقطه بالقوة.

والنتيجة أنه لا يمكن التعويل عليه في القيام بأي دور. ولا يعني هذا أنه ليس مرشحا لأي دور، فقد يكون مرشحا، ولكن لن يطلب منه أحد من الطرفين القيام بدور ما.

وأخيرا فإن النظام، وإن كان يسوق بأن الحل سيكون سياسيا وليس عسكريا، فهذ القول قابل للتأويل، بمعنى أن الأزمة ستنتهي يحل سياسي، وهذا شيء منطقي، ولكن كيف تريدها السلطة، إنها تريد استسلام المعارضة بذريعة أنها تابعة للإمبريالية ومن ثم فإنه يريد منها أن تلقي السلاح مقابل القبول بالسيناريو الذي سطره هو للحل. ونعتقد أن ميزان القوى في الميدان هو الذي سيحدد طبيعة الحل، هل سيكون على هذا النحو أم على نحو آخر.

الخانمة:

ومهما يكن الأمر فإن الحل الصحيح، هو ذلك الذي يستجيب لإرادة الشعب السوري وجماهيره الكادحة. وليس استبدالا لنظام بنظام آخر مستبد أو أكثر استبدادا من السابق.

إبراهيم أبو خليل

25 فيفري 2013


Nombre de lectures: 200 Views
Embed This