DzActiviste.info Publié le mar 23 Oct 2012

هل يمكن أن يكون هناك حل سلمي للمعضلة السورية حسب الشروط الإمبريالية؟

Partager

تخوض سوريا في الظرف الراهن حربا شرسة ضد الإمبريالية والبلدان العربية الرجعية، وخاصة قطر والسعودية، وضد دول الجوار بصفة عامة، فلم تكن هذه الحرب التي تخوضها في الواقع مجرد صراع ضد حركات إرهابية مسلحة، بل هي حرب ضد الإمبريالية وأعوانها ومصالحها الحيوية والاستراتيجية. ولهذا، فالسؤال الذي ينبغي طرحه منطقيا، هو هل يمكن أن يكون هناك حل سلمي بين الإمبريالية والنظام المناهض لمشاريعها ومصالحها؟. وبعبارة أخرى ماذا يعني حل سلمي بالنسبة لسوريا في ظل هذا العدوان المسلح؟.

قبل الإجابة على هذا السؤال، لا بد من التذكير بمسارات ومراحل هذه الحرب العدوانية، حتى نتمكن من تقدير الاحتمالات الممكنة للإجابة على السؤال المطروح. من المعروف أن سوريا لم تكن هي البادئة بالحرب، بل إن هذه الحرب فرضت عليها وفي ظرف صعب، ولم تكن سوريا تهدد أحدا من دول الجوار، لا تركيا ولا الأردن ولا لبنان ولا أيا من دول الخليج القروسطية، كان هدفها دوما هو العدو الصهيوني المدعوم من الإمبريالية وأعوانها. لقد كانت لسوريا قبل انفجار الأوضاع علاقات طيبة بكل دول الجوار، بما في ذلك تركيا التي عرفت العلاقات بينهما تحسنا ملموسا في المجالات الاقتصادية والتجارية وخاصة بعد صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في السنوات الأخيرة، ووصل هذا التحسن إلى حد إلغاء التأشيرة بين البلدين، وقيام أردوغان بمهمة الوساطة بين سوريا وإسرائيل للانسحاب من الجولان مقابل أقامة سلام دائم في المنطقة طبقا للشرعية الدولية.

ولكن كل هذه العلاقات الحسنة أو على الأقل العادية، نسيته أو تجاهلته دول الجوار، واندفعت بدلا من ذلك تدعم المجموعات الإرهابية بالمال والسلاح والمعدات وتنفذ مخططات الإمبريالية الهادفة إلى إسقاط النظام المؤيد للمقاومة المعادية للإمبريالية وإسرائيل العدوانية والمنتهج لسياسة الممانعة والساعي إلى إسقاط المشاريع المشبوهة التي سماها الصحفي المشهور حسنين هيكل عن حق بـ « سايكس بيكو جديد ».

إذن فقد كان التدخل والعدوان مبيتا وعن سبق إصرار مثلما كان الأمر في ليبيا تحت ذريعة ما يسمى بـ »الانتفاضات العربية » أو « الربيع العربي ». وتطورت الأمور بسرعة في اتجاه التدخل، وجاءت المجموعات الإرهابية من كل حدب وصوب، تلك المجموعات التي حظيت بتأييد دول الجوار، ووصل الحد بالدول الإمبريالية وأعوانها في المنطقة إلى نزع الشرعية عن الرئيس الأسد ودعوته إلى الرحيل بحجة أنه لم تعد له أية شرعية بعد قتله لشعبه. وعلى الرغم من أن الإمبريالية وأتباعها لا يملكون أي حق في إعطاء الشرعية لأي حاكم في بلاده أو نزعها عنه، فإن ما تدعيه، من فقدان الشرعية، بعيد عن الحقيقة، فالواقع أن بشار الأسد لم يقتل شعبه، بل وهو بقاوم التدخل كان يدافع عن شعبه، فقد قاوم ويقاوم بحزم المجموعات الإرهابية الظلامية التي سلحتها دول الجوار بكيفية جيدة، وخاصة تركيا، وصارت هذه المجموعات ومثيلتها من جماعة « الجيش السوري الحر » تتخذ من المواطنين السوريين المدنيين العزل دروعا بشرية تحميها من ضربات المقاومة السورية. ولم تأبه الحكومة السورية الشرعية والقوى المناهضة للتدخل الإمبريالي بما في ذلك المعارضة الداخلية التي قبلت بالحوار ودعت إلى الحل السياسي السلمي للمشكلة، لم تأبه الحكومة لهذه الافتراءات الإعلامية التي تبثها القنوات الفضائية الموالية للإمبريالية مثل الجزيرة والعربية وغيرها، بل واجهت تهجمات الإرهابيين الذين توظفهم الإمبريالية وأتباعها في المنطقة، لإسقاط النظام المعادي لمخططاتها التفتيتية والهيمنية، وفي المقدمة منها مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد ومن على شاكلته.

واستخدمت المجموعات المسلحة كل الوسائل الإجرامية لإسقاط النظام وإرغامه على القبول بشروطها، ابتداءا من اتخاذ المواطنين دروعا تحتمي بها، ومرورا بالتفجيرات المفخخة إلى طالت عناصر قيادية في الجيش السوري والقيادات السياسية والأمنية، إلى وضع الكمائن لتصيد العربات العسكرية، إلى التهجير القسري للمواطنين لدول الجوار، إلى الحصار الاقتصادي ومعاقبة المسؤولين بالمنع من الدخول إلى البلدان المعادية والحجر على حساباتهم في الخارج إن كانت لهم حسابات إلى تجميد العضوية في الجامعة العربية التي كانت سوريا هي أحد مؤسسيها، إلى تشجيع الأفراد والشخصيات على الانشقاق، وغير ذلك من الوسائل الخسيسة، ولكنها لم تفلح في تحقيق هدفها، وهو إسقاط النظام، وتعويضه بنظام عميل. ولم يستطع العملاء المرتزقة التأثير في أغلبية الشعب السوري والانجرار وراءهم رغم الآلام التي تحملها، ورغم الضغوط التي مورست ضده، ورغم الاستفزازات التي لجأت إليها تركيا بالهجوم على مناطق في سوريا بالأسلحة الثقيلة والقرصنة الجوية ضد طائرات مدنية. وباختصار جربت الإمبريالية وصنائعها ومرتزقتها كل « حبوبة » على حد التعبير الشعبي (أي جربت كل الوسائل، ولكن كان مآلها الإخفاق، فكان لا بد من تغيير الأساليب والتاكتيكات وتنويعها.

فعندما شعر زعماء البلدان الإمبريالية وفي مقدمتهم حكام الولايات المتحدة بأن الأمر ليس مجرد فسحة قليلة من الوقت ويسقط النظام، أخذوا يعلنون نفاقا بأن الحل ينبغي أن يكون سلميا، شريطة رحيل الأسد رأس النظام في نظرهم. وإذا رحل الأسد فمع من يكون الحوار؟ أيكون مع نائبه؟، ومن يكون نائبه؟، هل هو نائب مناهض له؟، أليس فاروق الشرع هو أحد أعمدة النظام أم هو من طينة أخرى؟ هل جاء من المريخ، أم هو أحد قادة حزب البعث المرموقين؟. إن فرضيتهم بإمكانية التحاور والنقاش مع فاروق الشرع يعني أنهم لا يريدون أي حل سلمي إلا إذاكن مطابقا لشروطهم. والواقع أنهم يقدمون مثل هذا الاقتراح المبني على افتراض مخاتل، لكنهم في العمق يدركون أنه حل خيالي ليس له حظ من المصداقية. إنهم في يطرحون حلولا سياسية، لكنهم يشفعونها بمختلف الشروط بغية إفشالها.

ماذا كان موقفهم من مهمة كوفي عنان في الماضي القريب؟، وماذا سيفعلون مع الإبراهيمي اليوم أو بغيره في المستقبل؟.

كانت مهمة عنان، ظاهريا، إقناع سوريا بمبادرة حسن نية، واستجابت الحكومة السورية لذلك، لكن حسن النية هذا أدى سمح للمجموعات الإرهابية المسلحة بالتغلغل في مختلف مناطق البلاد، إلى درجة الاعتقاد أن النظام قد انفلتت منه الأمور، وصار لا يسيطر سوى على أقل من ثلث مساحة البلاد. أما مهمة عنان الحقيقية – لا الظاهرية – فهي الإسهام في تنفيذ المخططات الإمبريالية الأمريكية والصهيونية، بغض النظر عن وعيه أو عدم وعيه بها، ولكن فشلت وتحطمت محاولات التنفيذ والترويض على صخرة الصمود السوري. وأخيرا جاء الأخضر الإبراهيمي لمحاولة إنقاذ المهمة التي فشل فيها عنان. وعلى الرغم من أنه قد عبر عن رفضه للضغوط الإمبريالية وتدخلات دول الجوار، واعترافه بصعوبة المهمة، وبتكريس مساعيه في خدمة السوري فحسب، إلا أنه واجه منذ البداية محاولات لممارسة ضغوط عليه من جانب دول الجوار وخاصة دول الخليج وقطر بالذات (الإمارة أو المشيخة المجهرية)، ففي ظل هذا المناخ لا يمكن أن ينجح الإبراهيمي فيما عجز عنه سلفه عنان. لقد صرح الإبراهيمي ذاته بأن المهمة في غاية الصعوبة والتعقيد، وإن لم تكن مستحيلة، ويمكن الإضافة بأنه إذا لم تكن كذلك، فهي شبه مستحيلة.

هناك دلائل وعلامات على وصول الأزمة إلى طريق مسدود، منها طبيعة المصالحة المعروضة على سوريا، إنهم لا يطلبون مصالحة بل استسلاما؟، كما أنها تجري بين النظام والمجموعات الإرهابية المسلحة، على الرغم من أنها طرف ثانوي في المعادلة، في حين أن الطرف الأساسي والجوهري هو البلدان الإمبريالية المعنية بالصراع وبالأزمة وبالمطالبة من الأسد ونظامه الرحيل، وبتنصيب نظام عميل ينجز صلحا انهزاميا مع إسرائيل، ويخدم مصالح الإمبريالية والصهيونية. تريد الإمبريالية نظاما عميلا على غرار نظام طرابلس، على الرغم من علمها أن سوريا ليست ليبيا وبأن القوات السورية ليست قوات الراحل القذافي، وبأن البلاد لها حلفاء إقليميون ودوليون لم يكونوا في حوزة القذافي، ولا يقبلون بحلول استسلامية، ويرفضون الحل السياسي الذي يمكن الإمبريالية من إقامة نظام عميل مناهض لمصالح الشعب السوري وللمصالح المشتركة بينه وبينهم.

لا حل سياسي إلا في حالة واحدة. هو أن توقف القوى الإمبريالية والرجعية عدوانيتها. وإذا كان مثل هذا الحل لم يظهر بعد في الأفق، إلا أنه مرشح لذلك في ظل الصمود السوري ودعم الشعوب والحلفاء الإقليميين والدوليين. فسوريا عليها أن تقاوم أو تنهار، ذلك « لأن الحرب الدائرة الآن ليست حول شأن داخلي، بل حول مصير البلد بكامله، وحول مصير المنطقة برمتها ». ومن الواضح أن مصير البلد في حال انتصار العدوان هو أخطر بكثير من المصير الذي حدث في تونس أو مصر أو ليبيا. ففي حال انتصار العدوان لن يبقى هناك بلد اسمه سوريا، وستتغير خريطة الشرق الأوسط بصفة جذرية لصالح الإمبريالية وأعوانها. ولذا فإن هذا الانتصار غير وارد على الإطلاق في حساب النظام السوري المناهض للإمبريالية، وفي حساب القوى الديمقراطية والتقدمية السورية وفي حساب أغلبية الشعب السوري.

لا حل سوى إلحاق الهزيمة بالجماعات المرتزقة وبالتدخلات الأجنبية الضمنية والصريحة، وهذه الهزيمة هي التي يمكن أن تتوج بمفاوضات سياسية لحفظ ماء الوجه وللتعبير عن فشل التدخل، ومن ثم إنهاء الأزمة. إن هزيمة العدوان الإمبريالي والظلامي أمر ممكن في ظل موازين القوى القائمة، رغم أن تركيا تملك قوة عسكرية هائلة، وهي عضو في الحلف الأطلسي، ومعنية بالاستمرار في الاستفزاز للوصول إلى إسقاط النظام وتحقيق حلمها العثماني الجديد. لكن الحلف الأطلسي متردد في التدخل بسبب العبء الكبير الذي يواجهه في أفغانستان والعراق وفي بلدان المنطقة نفسها، وبسبب الموقف الروسي والصيني الحازم.

وهكذا تستخلص القوى الإمبريالية وأعوانها وصنائعها أنه لا يمكن إسقاط النظام لا بالقوة، ولا بالعقوبات ولا بالحصار، ولا بإمكانية فك عرى التحالف الإقليمي والدولي. والحل إذن ليس سلميا في حد ذاته، بل يتمثل في إيقاف العدوان والامتناع عن دعم المجموعات الإرهابية عسكريا. وتملك سوريا أكثر من ورقة رابحة ومنها: وقوف الحلفاء الإقليميين والدوليين إلى جانبها، ويمكنها مضاعفة الأوراق الرابحة بتقوية الصمود العسكري والشعبي وبتعزيز التحالف مع القوى الديمقراطية والتقدمية السورية التي ترفض التدخل الأجنبي والعمالة والخيانة، فقد اتخذت أحزاب وقوى الجبهة الوطنية والتقدمية في ملتقاها الذي انعقد مؤخرا في دمشق، معيارا يكمن في أن « القول والرأي يواجهان بالقول والرأي، أما أعمال التخريب والإرهاب فتواجه بسيادة القانون ». هذا ما يتعلق بتجليات الأزمة، أما معالجة الأزمة نفسها، فإن الشعب السوري بمعية قواه الديمقراطية والتقدمية والشعبية يريد حلولا صائبة لمشاكله الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بعيدة كل البعد عن المنظور الليبرالي أو الظلامي القروسطي، إنه يتطلع إلى حل جذري يؤدي إلى تأسيس نظام ديمقراطي حقيقي شعبي. فهناك دعم الشعوب ودعم القوى الديمقراطية والتقدمية في العالم، وهي ضمان حاسم لإلحاق الهزيمة بالإمبريالية.

وهذا سيؤدي إلى نتيجة محققة وهي أن المصالحة السلمية أو الحل السلمي بالشكل المعروض غير ممكن. « فسوريا تخوض حربا مصيرية وأي موقف وطني لا بد أن يكون ضد الإمبريالية وأعوانها وعملائها.

ونتساءل مرة أخرى، هل يمكن المطالبة بإسقاط النظام بشكل سلمي، وهل هذا الطلب معقول؟. إن أي نظام في العالم لا يمكن أن يسقط نفسه بنفسه، وإذا كانت الإمبريالية لا تريد سوى إسقاط النظام؟ فهل يستجيب الحل السلمي لطلبها؟، وهل تستطيع أن تحقق رغبتها عن طريق مثل هذا الحل السلمي؟.

هذا غير ممكن على الإطلاق، وإذن فالحل السلمي غير وارد أو على الأقل مستبعد إلا في ظل السياق المطروح آنفا، وهو إيقاف العدوان ودعمه والتحريض عليه.

إن الجيش السوري جيش وطني قوي، ولولا صموده لسقطت سوريا منذ الأيام الأولى في أحضان الإمبريالية والرجعية. وأيضاً لولا ذلك لدخلت قوات الناتو ودمرت البلاد، وأفنت العباد. ولكن يجب استخلاص النتائج من المقدمات، فالنظام هو الذي أوصل الجيش السوري الوطني إلى هذا المستوى الجيد من القوة، وهو الذي يحارب العدوان الإمبريالي الرجعي بضراوة وببسالة، وهو الذي يتحالف بقوة مع إيران والمقاومة اللبنانية والفلسطينية والعراقية ضد الإمبريالية والصهيونية والرجعية. والذي يتحالف في نفس الوقت مع روسيا والصين، اللتين تشكلان القطب الآخر ضد عدوانية الإمبريالية الأمريكية والأوربية على مستوى عالمي. إن النظام السوري المعادي للإمبريالية هو نظام يقف على أرض وطنية صلبة، وكل إنسان يهمه مصير البلاد، ومصير المنطقة، لا يمكن، إلا أن يقف على نفس الأرض الوطنية. فالمسألة المطروحة اليوم هي مصير البلد برمته، ومصير المنطقة بأكملها، وكل ما عدا ذلك هو عبارة عن تفاصيل ستعالج لصالح الشعب السوري بعد أن يتم دحر العدوان والمعتدين.

حامد ربيع

23 أكتوبر 2012


Nombre de lectures: 282 Views
Embed This