DzActiviste.info Publié le jeu 31 Jan 2013

ورقة اقتصادية اجتماعية إلى مؤتمر الحوار الوطني

Partager

تباينت ردود الأفعال على المبادرة الرئاسية السورية التي تضمنت حلاً سياسياً لأزمة السوريين، فبعض هذه الردود جاء من الخارج مستبقاً ترجمة بنود المبادرة، معلنة رفضها لمجرد صدورها عن مقام الرئاسة السورية. وبعضها الآخر جاء من الداخل السوري، وتوزع بين رافض لأي حل يخالف تصوراته لحل الأزمة، وبين من رأى في مضمون المبادرة ومراحلها أرضية صالحة للبناء عليها، وربما يطرح آخرون بعض الاقتراحات لتعديل مضمون وأولية بعض بنودها.

سنترك الجانب الدستوري والسياسي في مضمون المبادرة الرئاسية لمناقشة المختصين، ونركز في مقالتنا هذه على ما نراه ملحاً على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، كي يتضمنه الميثاق الوطني الذي سيضعه ممثلو القوى السياسية والاجتماعية حين انعقاد مؤتمر الحوار الوطني.المبادرة الرئاسية لم تضع تصوراً محدداً لما سيتضمنه الميثاق الوطني، بل تركت الأمر لحوار السوريين في المؤتمر العتيد، ولتصويت الشعب السوري في استفتاء عام على مستقبل سورية السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

لم تكن المطالب السياسية وحدها – وإن جعلتها الظروف السورية تبدو كذلك – هي التي دفعت السوريين للنزول إلى الشوارع، في مشهد كان في عرف الكثيرين أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة. فهناك مطالب أخرى عبرت عنها فئات الشعب المختلفة، تتمحور أساساً حول النهج الاقتصادي للبلاد، الذي تسببت مفاعيله الاقتصادية بأضرار بالغة للقطاعات الرئيسية المنتجة. أما مفاعيله الاجتماعية فقد أدت خلال العقد المنصرم، إلى ازدياد معاناة الفئات الفقيرة والمتوسطة، في الوقت الذي برزت فيه فئات طفيلية جديدة.. ثرية وقادرة، ساهمت بقدراتها ونفوذها، مع مهندسي الاقتصاد السوري السابقين، في إعادة هيكلة الاقتصاد السوري وفق اقتصاد السوق الحر، والسير نحو إقامة نظام رأسمالي طفيلي، منسجم مع توجهات وبرامج الليبرالية الاقتصادية الجديدة. فعندما تصل نسبة الفقراء في البلاد إلى 41% من عدد السكان، وحين تحدد الخطة الخمسية العاشرة هدفها بخلق 625 ألف فرصة عمل جديدة للنصف الأول من عمر الخطة، لكنها توفر 277 ألف فرصة فقط، وحين تحاصَر صناعتنا الوطنية في عقر دارها، وحين يشعر العاملون في القطاعين العام والخاص والمتقاعدون أن أجورهم تتقزم أمام موجات غلاء متتالية، نتيجة لانسحاب الدولة من دورها في التأثير على الأسواق، وترك الأمور لآليات السوق.. وأسياد الأسواق.. فإن الحصاد المتوقع سيكون مزيداً من الغضب الشعبي.

إن تبني الليبرالية الاقتصادية الجديدة، أدخل تغييرات عميقة على بنية الاقتصاد الوطني، إذ جرى تشجيع قطاعَيْ المال والتجارة، والانفتاح على الخارج قبل تمكين قطاعات الإنتاج المحلية، وهمشت الصناعة الوطنية، وخاصة القطاع العام الصناعي، والزراعة والخدمات الشعبية. وجرى التراجع عن بعض المكاسب التي حققتها الطبقة العاملة. وكحصيلة لهذه التحولات، تعمق الفرز الطبقي، ونمت رأسمالية طفيلية جشعة، تدعمها بيروقراطية حكومية، وتجذّر الفساد بسبب الإحجام عن اتباع سياسات واضحة لمكافحته. وبنتيجة كل ذلك عمّ الاستياء الشعبي، الذي استثار الجماهير الكادحة، التي رفعت مطالب جرى الإقرار بصحتها وعدالتها، وبضرورة القيام بإصلاحات سياسية، وأخرى اقتصادية، ترمي إلى معالجة الأزمة بجميع تجلياتها وعواقبها.

لقد تبين بشكل جليّ أن رؤية بعض مسؤولي الاقتصاد السوري في الحكومة السابقة -الذين لم يجدوا معارضة لسياساتهم في مراكز القرار السياسي والحزبي- لا تسعى إلى تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة، تُحدث نقلة نوعية في حياة السوريين، في الزمن الذي اتسم بالتحولات العاصفة وثورة المعلومات وعولمة الاقتصاد بهدف تحقيق هيمنة الإمبريالية العالمية على مقدرات الشعوب. بل تسعى إلى الاكتفاء بوصفة قديمة..جديدة روّجها الليبراليون الجدد والمؤسسات الدولية الدائرة في فلكهم، هي ترك الأمر للسوق، ولآليات السوق، وللرساميل الريعية. أي ببساطة شديدة التحول باتجاه نظام اقتصادي رأسمالي ريعي، يلبي مصالح الأقلية الثرية المستثمِرة في المصارف والتأمين ومشاريع السياحة والعقارات، ويهمش القطاعات المنتجة، ويزيد الأعباء المعيشية التي تعانيها الفئات الفقيرة والمتوسطة، وفي مقدمتها الطبقة العاملة والفلاحون الصغار والأجراء الزراعيون، وجمهور المثقفين والمتقاعدين والشباب.

جاء في التقرير الاقتصادي والاجتماعي الذي أقره المؤتمر الحادي عشر للحزب الشيوعي السوري الموحد: إن إعادة هيكلة الاقتصاد السوري وفق آليات السوق أخذت الاهتمام الأكبر من الحكومات المتعاقبة، في حين تراجعت الإجراءات الهادفة إلى حل أزمات قطاع الدولة، والمهام الاجتماعية التي تمس مصالح الفئات الفقيرة والمتوسطة، وخاصة توفير فرص العمل، وتجفيف بؤر الفقر، وزيادة الأجور.

إن التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتوازنة..المعتمدة على الذات هي -حسب اعتقادنا – البديل الواقعي للسياسات التي طبعت اقتصادنا الوطني بطابع الرأسمالية الريعية، وهي القادرة على إنهاض الاقتصاد السوري، والاستمرارفي دعم الفئات الاجتماعية الأقل دخلاً، وفي مقدمتها قوى العمل.

أولاً – اقتصاد تنموي تعددي:

يمكن تحديد مضمون هذا النموذج الاقتصادي التنموي استناداً إلى خطة تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تضعها الدولة، وتقوم بتنفيذها بالمشاركة مع القطاع الخاص المنتج، والرساميل الوطنية، لتنفيذ الأهداف التالية:

1- تحديث وتطوير فروع الإنتاج الرئيسية كالصناعة والزراعة، ومنظومة البنى التحتية كمشاريع الطرق والنقل السككي ومشاريع الري، وفي توليد فرص عمل جديدة، والحفاظ على قطاع عام اقتصادي فاعل،يتدخل في الحياة الاقتصادية جنباً إلى جنب مع القطاع الخاص المنتج.

2 – قيام الحكومة بالإشراف على إعادة توزيع عوائد النمو بين الفئات الاجتماعية، عبر شبكة واسعة من الخدمات التي تستهدف الفئات الأقل دخلاً، كالتعليم المجاني المتطور، والضمان الاجتماعي والصحي، وتنمية المناطق المتخلفة، واستهداف بؤر الفقر، وتمكين المرأة.

ثانياً- مشاركة شعبية ديمقراطية:

إن المشاركة الشعبية الديمقراطية هي شرط جوهري لأي توجه تنموي حقيقي، وذلك عن طريق تفعيل وتنشيط العامل الاجتماعي الداخلي.إن نظريات التنمية القائمة على رؤية اقتصادية بحتة، فشلت في تحقيق النقلة النوعية في حياة الناس، فالمفاهيم الكمية والمؤشرات الإحصائية لم تأخذ بالحسبان الإنسان المشارك في عملية التنمية. إن التنمية خاصة في الدول الأقل نمواً، هي مسؤولية الدولة، فالمهام الاجتماعية لا يستهدفها القطاع الخاص، لكن هذه التنمية يجب أن تكون عملية تبادلية، أي من الدولة إلى المجتمع ومن المجتمع إلى الدولة. فالتنمية السلطوية المفروضة من فوق تنتج أزمات اجتماعية. إنّ توسيع المشاركة الشعبية، عن طريق المجتمعات الأهلية في الريف، وهيئات المجتمع المدني على تنوع تنظيماته، في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية يضمن لهذه العملية سيرورتها المنطقية الملبية لمصالح الجميع، مما يتطلب تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني كالأحزاب والنقابات والجمعيات لتأتي تعبيراً عن خيارات المجتمع.

ثالثاً – سياسات اقتصادية ملتزمة وفاعلة:

السياسات المتبعة في اقتصاد التنمية يجب أن تتمحور حول تنفيذ بنود الخطة التنموية، إذ لا يجوز هنا أن تتناقض السياسات مع الأهداف المعلنة للخطة، كما حصل في الماضي، عندما كانت الأهداف في واد، وسياسات الطاقم الاقتصادي للحكومة السابقة في واد آخر.

1 – إعادة النظر بسياسات الانفتاح والتحرير، ولا نعني هنا العودة إلى غلق الأبواب..بل الانفتاح على الاقتصاد الإقليمي والدولي بقدر ما يحقق الفائدة لصناعتنا الوطنية وإنتاجنا الزراعي.

2 – الحفاظ على ملكية الدولة وإدارتها للمرافق الحيوية والاستراتيجية، كالمرافئ والمطارات وقطاعات الكهرباء والمياه، وتحديث طاقمها الفني والإداري، وإعادة النظر ببعض التشريعات التي يفوح منها رائحة خصخصة هذه المرافق.

3 – مراجعة الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية التي وقعتها الحكومة السابقة، وإلغاء ما كان منها مجحفاً وضاراً بقطاعاتنا الإنتاجية.

4 – دعم وتحديث صناعتنا الوطنية، وتقديم ما يلزم من تسهيلات كي تصبح هذه الصناعة فعلاً..لا قولاً قاطرة التنمية في البلاد، ووضع برنامج واضح لإصلاح القطاع العام الصناعي.

5 – تحفيز القطاع الخاص المنتج على المساهمة في عملية التنمية، وتشجيع الاستثمارات المحلية والعربية والأجنبية على إقامة المشاريع الملحوظة في خطة التنمية الشاملة.

6 – ضمان الأمن الغذائي في البلاد عن طريق الدعم الدائم لقطاع الزراعة، والاستمرار في تنفيذ المشاريع المائية، ومصانع السماد والعلف، وتنمية الثروة الحيوانية، ومنح التسهيلات لمشاركة القطاع الخاص في إقامة المشاريع الصناعية- الزراعية في المحافظات الشرقية.

7- ما زالت المناطق الشرقية من البلاد، التي تعد مستودع الغذاء الأساسي ، وخاصة(دير الزور والحسكة) تعاني تخلفاً اقتصادياً واجتماعياً، رغم الخطط التنموية التي وضعت(على الورق)، وملتقيات الاستثمار التي نظمت(دون متابعة)، وفزعات التطوير التي بقيت في الأدراج.

إن تطوير المناطق الشرقية يتطلب خطة حكومية شاملة، تشارك في تنفيذها الرساميل الوطنية المنتجة، وتهدف إلى إنشاء صناعات تعتمد على محاصيل هذه المناطق وثرواتها، كمعامل الأعلاف والأسمنت والأدوية وصوامع الحبوب وتصنيع البرغل والعدس، ومصفاة لتكرير النفط، ومصنع لتجهيزات نظام الري الحديث، وإنشاء جامعة لأبناء هذه المناطق تضم الكليات التطبيقية والزراعية.

إن إنشاء هذه المشاريع يولد فرص عمل لمحتاجيها في هذه المناطق التي تتجاوز نسبة البطالة فيها نحو 55%، وتلعب دوراً في رفع المستوى المعيشي لسكانها، إضافة إلى مساهمتها في نمو الناتج المحلي الإجمالي.

8 – زيادة حجم الموازنات الاستثمارية، وتوجيهها نحو المشاريع الكبرى، كإقامة صناعات حديثة..أو مد شبكة متطورة للنقل السككي.

9 – الاهتمام بالشركات الصغيرة والمتوسطة، بالمصانع الصغيرة والورشات والحرف والمشاغل، التي تشغل الجزء الأكبر من اليد العاملة في البلاد، ومساعدتها على تأمين مستلزمات الإنتاج من مواد أولية وطاقة، وتسهيل حصولها على القروض المصرفية، وإعفاء بعضها من الرسوم والضرائب عند توفيرها لفرص عمل محددة، وتحفيز ما كان منها في اقتصاد الظل على التحول إلى الاقتصاد الرسمي والقانوني، وحصر نشاطات الشركات الاستثمارية الكبرى، والشركات القابضة بالمشاريع الأساسية ذات التكاليف الاستثمارية المرتفعة، لا في المطاعم والمنتجعات.

10- تطوير السياحة الثقافية والدينية والعلاجية، وعدم الاعتماد فقط على السياحة التقليدية(سياحة النخب).

11 – توجيه القطاع المصرفي الخاص والعام نحو المساهمة في المشاريع الكبيرة الملحوظة في خطة التنمية وإطلاق القروض العامة(سندات الخزينة) لتمويل المشاريع الاستثمارية حصراً.

12 – مكافحة الفساد بجميع أشكاله وتجلياته، فهو يعطل تنفيذ الخطط التنموية، ويحبط آمال الجماهير الشعبية بعملية التنمية برمتها.

جاء في التقرير الاقتصادي والاجتماعي الذي أقره المؤتمر الحادي عشر للحزب الشيوعي السوري (الموحد): ويتساءل المواطن: لماذا يتأذى الجميع من الفساد ولا تبدو عليهم مظاهر الاحتجاج والمقاومة، ويفضلون السكوت والحياد وعدم التحدي؟ الأمر الذي ينم عن تدنّ في مفاهيم الحق والعدالة واحترام الآخر؟ إن لهذه المواقف أسباباً عميقة في تاريخ المقهورين والمحرومين كافة، وأينما وجدوا فمن حقهم التضامن والتكتل والتحول إلى قوة فاعلة في المجتمع تتولى حمايته من الفساد وغيره من المظالم. إلا أن أهم وأخطر الأسباب الراهنة لهذا الموقف يكمن في ضعف الممارسة الديمقراطية والحريات العامة، وسيطرة الرأسمالية التي تكمن في جوهرها كل العوامل المغذية للفساد.

رابعاً – سياسات اجتماعية هادفة:

1 – تنمية المناطق المتخلفة، وخاصة المناطق الشرقية من البلاد، واستهداف المجتمعات المحلية بحزمة من الخدمات التعليمية والصحية، ومشاريع تحسين الدخل الأسري في هذه المناطق.

2- استعادة الدور الرعائي الداعم للفئات الفقيرة، ووضع سياسة ثابتة للأجور تقوم على سلم متحرك يتناسب مع غلاء المعيشة، والحفاظ على المكاسب التي حققتها الطبقة العاملة، وتعديل قانون العمل بهدف إلغاء التسريح الكيفي والتعسفي، وتوسيع قوانين الحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي والصحي للطبقة العاملة.

3 – وضع خطة شاملة لتجفيف بؤر الفقر، وخلق فرص عمل جديدة في المناطق الفقيرة بالتعاون مع المجتمعات المحلية والأهلية.

4 – الحد من تفشي البطالة، خاصة بين الشباب. وإن زيادة استثمارات الحكومة في قطاعها العام، والتعاون مع القطاع الخاص لتوفير فرص عمل جديدة، وتقديم التسهيلات المصرفية للمهنيين والحرفيين الشباب، ودعم الزراعة السورية، هي من أبرز الحلول في هذا المجال.

5 – دعم التعليم المجاني وتطويره، ومعالجة تسرب التلاميذ، والاهتمام الخاص بتعليم الفتيات في المناطق الأقل نمواً، وإقامة جامعات حكومية جديدة قادرة على استيعاب الزيادة المضطردة في أعداد الطلاب.

6 – تنفيذ الوعود القديمة الجديدة التي قطعتها الحكومات بتمكين المرأة السورية، وزيادة مساهمتها في الحياة السياسية والاقتصادية، وسن التشريعات العصرية الهادفة إلى مساواتها الكاملة مع الرجل.

إن تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية استناداً إلى نموذج اقتصادي تنموي تعددي، لن يمارس تأثيره في البنى الاقتصادية وقطاعات الإنتاج، أو في التبديل الجذري للأوضاع الاجتماعية والمعيشية لجماهير الشعب السوري فقط، بل ستمتد مفاعيله إلى الأوضاع السياسية في البلاد، إذ يساعد في تحقيق الاستقرار المجتمعي، ويدعم النظام السياسي الديمقراطي الذي مهدت له حزمة من المراسيم، والذي سيستكمل أسباب انطلاقته بعد توافق السوريين في مؤتمر الحوار الوطني على الميثاق الوطني الذي سيحدد مستقبل سورية الديمقراطي التنموي.

النور العدد 565 29 كانون الثاني 2013


Nombre de lectures: 215 Views
Embed This