DzActiviste.info Publié le mar 3 Sep 2013

يردّ على الوزير الأول Laurent Lafforgue عالم الرياضيات لورنت لافورغ

Partager

Sellal ou hbibouأبو بكر خالد سعد الله 

عندما مرّ الوزير الأول بثانوية الرياضيات بالعاصمة قبل يومين تحدث في مداخلته عن « الشعر » و »قل أعوذ برب الفلق » والعلم والرياضيات. وقد ربط بين هذه الأمور ربطا غريبا مدهشا صفق له البعض وأندى جبين البعض الآخر ذلك أن رأيا من هذا القبيل لم يكن متوقعا لا من الأنصار ولا من الخصوم… سيما أنه صدر على لسان رجل دولة في هذا المقام.

فالحث على طلب العلم والمعرفة من حيث أتيَا واجب على الوزير الأول والوزير الثاني وكل المسؤولين. ومن غير المقبول أن نميّز في مستوى المراحل التعليمية الأولى (الابتدائي والمتوسط والثانوي) بين فروع المعرفة. ذلك أن مرحلة التكوين تلك، التي يسهر عليها خبراء التربية والتعليم، وعلى تكييفها بما يجري في باقي الدول الغربية منها والشرقية ليست مرحلة يجوز فيها الارتجال من أي كان… علا ما علا شأنه السياسي… فلكل اختصاصه ومن واجب كل منا احترام اختصاص الآخر.

وبما أن الوزير الأول قد أشاد بدور الرياضيات والعلم مستخفا بدور « الشعر » و »قل أعوذ برب الفلق » رأينا من المفيد في هذا السياق الاستماع إلى رأي أحد البارزين في الرياضيات، وهو الحائز على ميدالية فيلدز Fields (المعادلة لجائزة نوبل)، الفرنسي لورنت لافورغ Laurent Lafforgue، وهذا حين دعا لإلقاء محاضرة حول الدراسات الأدبية وحرية الفكر بباريس منذ بضع سنوات. يقول لافورغ لمستضيفيه: « إني مسرور بوجه خاص لهذا اللقاء بين علماء الرياضيات ولفيف من أساتذة في الآداب لأني أعتقد أن مدرستنا الجمهورية -التي نحن جميعًا مدانون لها لِما نحن فيه من نعمة- هي في خطر. وليس لنا بد، إذا ما أردنا إنقاذها وتصحيحها، سوى أن يشكل رجال الأدب والعلم جبهة مشتركة ».

 ويعتقد لافورغ أنه مهما بلغت درجة مأساة وضعية تدريس الرياضيات والعلوم « فإن المأساة أعظم بالنسبة للآداب، وبوجه خاص الآداب الكلاسيكية… أودّ أن أعبّر لكم اليوم عن ردود فعل وتأملات عالم رياضيات بخصوص أهمية تعليم اللغة … والآداب الكلاسيكية… ينبغي أن أقول منذ الآن بأن الأمر الذي هو اليوم في المحك ليس أقلّ شأنا من الحرية المستقبلية للأجيال الصاعدة. فالأمر لا يتعلق بحرية سياسية ولا بحرية تعبير، بل يتعلق بحرية أعمق من كل تلك الحريات : إنها الحرية التي تخوّل للإنسان القدرة على التفكير بذاته. ذلك أني أعتقد بأن عدم تلقين اللغة بشكل صحيح وعدم تغذية الفكر بالاحتكاك بكبار كتاب الماضي هي أسوأ من المصادرة : إنها تعني منع تكوين الفكر ذاته، وهي تعني رفض تزويد الأجيال الصاعدة بأدوات الحرية الفكرية وحرية العقل. »

هذا هو رأي أحد فطاحلة الرياضيات في الأدب. وهل يمكن التحكم في لغة والإلمام بها دون الولوج في نثرها وشعرها ومكوناتها وتراثها؟ وهل يمكن أن نؤمن بماضينا وندرك أبعاده دون التأمل في « قل أعوذ برب الفلق »؟

ويضيف لورنت لافورغ موضحا لأولئك الذين يسمعون بالرياضيات دون ممارستها قائلا : إن الرياضيات تقوم على قواعد منطقية كما وضعها أرسطو، أي على شكل من أشكال القواعد اللغوية، ليست بالضبط تلك القواعد التي تتحكم في النص الأدبي، بل هي قبل كل شيء قواعد وضع الجمل. والرياضيات، مهما بلغ تقدمها، تتمثّل دائما في صياغة « جمل بسيطة » توضع الواحدة منها تلو الأخرى، وهي جمل « ينبغي عليها احترام نفس القواعد الأولية. وبدون تلك القواعد، وبدون تلك الضوابط اللغوية ليست هناك رياضيات. »

 وهكذا يرى علماء الرياضيات أنه لا يمكن أن تكون رياضيات بدون التحكم في القواعد اللغوية… أما كبار مسؤولينا فيدعون إلى عكس ذلك : التخلي عن اللغة وشعرها وتراثها للتحكم في « صواريخ التوماهوك »!!

ومن المعلوم أن الرياضيات تقوم على فنّ التحكم في قواعد المنطق والوصل بينها بمرونة … وهنا يوضح لافورغ أنه « بدون هذه الحرية في صياغة الجمل صياغات متعددة ومختلفة من أجل الخضوع إلى متطلبات الاستدلال فليس هناك رياضيات، اللهم إلا إذا تعلق الأمر بتمارين ابتدائية وتكرارية وسردية ».

وتعتمد الرياضيات كذلك على فنّ التركيب. فكل نصّ فيها له نقطة انطلاق يواصل بعده مساره نحو هدف منشود بإتباع مسالك تتماشى مع ذلك الهدف … وهي « مسالك يمكن أن تتباعد عن بعضها البعض لتلتقي بعد ذلك أو تتقاطع أو تتفرع قبل أن تؤول مجتمعةً نحو هدفها. وبدون المقدرة على تنظيم الاستدلال وترجمته في نص ليقرأ من قبل آخرين « فليس هناك رياضيات بالمعنى المتداول لدى علماء الرياضيات. »

ذلك ما يؤكده خبراء الرياضيات بخصوص دور اللغة والشعر في تدريس وتلقين الرياضيات مضيفين أن « تحرير الفكر يبدأ بالتحكم في تصريف الأفعال التي تحفظ عن ظهر قلب، وتبدأ حرية التفكير بالتحكم في قواعد اللغة المكتوبة وفي المفردات، وبالتحكم الجيّد في القواعد الإملائية ». هذا قول عالم رياضيات وليس قول فقيه تائه أو أديب غاضب أو شاعر هائم.

وهكذا فإن تدريس اللغات الكلاسيكية، مثل اليونانية والإغريقية، يؤدي حسب الأستاذ لورنت لافورغ دورا رئيسيا في تكوين العقل لأنه يمنح لصاحبه إمكانية الانتقال إلى حالة جمال أسمى. ثم ينبه : « وإني أعلم، بصفتي عالم رياضيات، خطورة التباهي بالذكاء والترفّع على مثل هذه التعلمات… ليست هناك ضرورة للتباهي بالذكاء أمام اللغة والنصوص الأدبية. وهذا الكلام ليس موجها ضد الذكاء، بل أقول إن الذكاء الحقيقي، المتمثل في تعبير الفكر عن ذاته بحرية، هو نادر في حياة الإنسان، وليست له مناسبات للبروز إلا لمامًا. »

كنا نأمل ألا يغوص الوزير الأول في هذه المتاهات وأن يشير بدل ذلك إلى المشكل الحقيقي الأبرز في تعليمنا، وهو المناهج وتفعيلها بحيث تتحسن المردودية : عندما يتلقى التلميذ درسا في أية مادة كانت فيكون تحصيله منها يعادل المدة التي قضاها فيها… وألا يكون تحصيله مثلا يعادل تحصيل ساعة بعد قضاء 10 ساعات فيها.

وما دام الحديث عن الرياضيات ودورها فكان أحرى بالوزير الأول أن يأمر -لتحقيق ما يصبو إليه- بإعادة النظر في البرامج المسطرة التي قضى إصلاح المنظومة التربوية على جوهرها وكل مكوناتها الأساسية وتركها كالجسم بدون هيكل عظمي، وأساتذة الرياضيات يدركون ذلك تمام الإدراك… أما غيرهم من المتحكمين في زمام السياسة فلهم رأي آخر. وتلك هي الكارثة.

أبو بكر خالد سعد الله

قسم الرياضيات، المدرسة العليا للأساتذة/ القبة


 


Nombre de lectures: 234 Views
Embed This