DzActiviste.info Publié le mar 12 Mar 2013

يوم المرأة العالمي: قضية تحرر مزدوج: وطني وأممي

Partager

تمهيد:

في الثامن من مارس من كل سنة، يحتفل العالم بأسره بيوم المرأة وتشيد القوى الديمقراطية والتقدمية بمختلف الإنجازات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي حققتها في شتى المجالات على مدار عشرات السنين. ومن الواضح أن الاحتفال بهذه المناسبة كان قد تقرر خلال انعقاد أول مؤتمر للاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي في باريس عام 1945، ومع ذلك فإن قضية المرأة أبعد من هذا التاريخ بمئات السنين، بل بألوف السنين. لكن منذ عام 1945 أصبح الاحتفال بهذا اليوم احتفالا عالميا تمجيدا لنضالات المرأة، وإشادة بدورها الكفاحي الذي أضحى يشكل رمزا للإنسان المغتصب أو للمجتمع المستغل ككل. إن الاحتفال بيوم المرأة في كل عام هو في الحقيقة احتفاء بإنجازات ومكاسب في أنحاء شتى من العالم، ولكن في نفس الوقت هو تذكير بما لا تزال تعانيه من ظلم وتعسف واحتقار ودونية في أنحاء أخرى. فهي ما تزال تعامل في العديد من البلدان، معاملة لا تليق بجوهرها الإنساني. وفي الكثير من البلدان العربية والإسلامية تعتبر وضعيتها أسوأ بكثير مما في بلدان أخرى، حيث ينظر إليها نظرة دونية وعلى أنها عورة ينبغي سترها أو إخفاؤها عن النظر، أو أنها تسبب الإحساس بالعار حينما تذكر على الألسنة. وإذا كانت قد حصلت في البلدان المتطورة على حقوق عديدة في مجال العمل والتعليم والصحة والاستقلال المالي وحق الميراث ومجالات اجتماعية أخرى تمثل أشكالا معينة من المساواة مع الرجل، فإنها لم تحصل بعد على كافة الحقوق، ولذا يجري تكثيف النضال اليوم على مختلف المستويات ومن شتى الطبقات والفئات الاجتماعية المؤيدة للمرأة من أجل حقوق جديدة تؤهلها لأن تحصل على التساوي مع الرجل.

قضية المرأة قضية تحرر وطني واجتماعي

ليست قضية المرأة قضية شخصية، ولا قضية نسائية محضة، بل هي قضية وطنية واجتماعية في آن واحد. ففي المجتمع الطبقي الاستغلالي أيا كان شكله، لا يمكن للمرأة ولا للرجل أن يحصلا على حقوقهما الأساسية، بل يشملهما الاضطهاد والاستغلال معا.

صحيح أنه من الوجهة العملية، يمكن إدراك الفرق بين وضعية المرأة ووضعية الرجل في العديد من الأمور، بحيث نجد المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية والمجتمعات الرأسمالية المتخلفة تعاني من ظلم أفدح، ومن عبودية مزدوجة أكثر حدة: عبوديتها للجنس الآخر، (زوجا أو شقيقا أو أبا أو زميلا في العمل أو الدراسة)، وعبوديتها للنظام الاجتماعي الطبقي الجائر. ولكن رغم هذا الفرق والتمييز، فإن العبودية في شكلها الإقطاعي أو العمل المأجور أو غير ذلك تمس المرأة والرجل على السواء، كل حسب مكانته في النظام الاجتماعي أو طبقا لنظرة التقاليد الاجتماعية.
بيد أنه من حيث الطبيعة تعتبر المرأة الوجه الآخر للرجل، فهي لا تختلف عنه سوى في وظيفتها البيولوجية الطبيعية، لكن هذه الطبيعة البيولوجية لا تمنح للرجل تفوقا أو امتيازا، بل تقر تكاملا بينهما في إطار التعاون والتضامن والمساواة وعدم التمييز في الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي الخ.

لقد سجلت المرأة في نضالاتها، جنبا إلى جنب مع الرجل، إنجازات تاريخية على مسرح الحياة وأحداثها، فقد كانت تشارك نصفها الآخر في كافة القضايا، وتسطر تاريخا حافلا بالانتكاسات والانتصارات، وأسهمت في النضالات الوطنية والتحررية المناهضة للاستعمار والاستبداد، وضحت بالغالي والنفيس في سبيل تحرر وطنها، سواء أكانت في الجزائر أو في البلدان العربية أو في الفيتنام أو كوبا أو كوريا أو غيرها، فالقضية من هذه الزاوية واحدة، إذ لا يمكن للمرأة أن تتحرر اجتماعيا إلا إذا كان الوطن الذي تنتمي إليه أو تعيش فيه متحررا، والعكس صحيح أيضا، فلا يمكن أن تتحرر وطنيا إلا إذا حققت تحررها الاجتماعي، أو كانت الظروف مواتية لإسهامها في معارك التحرر الوطني. وعلى الرغم من أن هذا الدور الوطني يثير الإعجاب في غالب الأحيان، إلا أن الأصوات ما تزال تتصاعد هنا وهناك ضد المرأة، وهي أصوات شبيهة بأصوات الغربان، صادرة من قبل أعداء المرأة الطبقيين، من قبل الأصولية والظلامية ومن قبل الطبقات المحافظة في المجتمع، تدعوها للعودة إلى وظيفتها « الطبيعية » حسب زعمهم، وظيفة النسل والولادة، وفي أقل الحالات سوءا، وظيفة إنجاب وتربية « القادة والزعماء والأبطال والإطارات من كل صنف »، كما تدغدغها هذه الأوساط الرجعية والمحافظة من خلال الإشادة بدورها النبيل المزعوم، حيث يرى هؤلاء « أن وظيفة تربية الأجيال هي أقدس وظيفة على الأرض ». هذا على المستوى النظري، أما في الواقع فما تزال المرأة قاصرة في عرفهم، وما تزال وظيفتها الأساسية السهر على راحة الرجل والاستجابة لنزواته ورغباته الجنسية وليست شريكا له في الحقوق والواجبات والكرامة الإنسانية.

نضال المرأة رمز للكفاح من أجل التحرر الأممي

وبالعودة إلى القرن الماضي، في أوربا والعالم الغربي يمكن أن نجد رموزا منهن يثرن الإعجاب، فهناك سيلمى لاجيرلوف السويدية، التي حازت على جائزة نوبل في الآداب سنة 1909. لقد استطاعت هذه الأديبة المرموقة أن تثري المكتبة العالمية بروائع ثقافية وأدبية خالدة، وكانت أول سيدة تفوز بجائزة نوبل التي بدأت تمنح جوائزها سنة 1901، ثم أصبحت سيلمى لا جيروف من ضمن أعضاء الأكاديمية السويدية التي تمنح جوائز نوبل التي يتبناها بلدها السويد.

وهناك أخريات استطعن أن يسجلن أسماءهن في سجل التاريخ، ويقدمن البرهان، لكل من ينظر للمرأة بمنظار ضيق، بأنهن في غاية الأهمية والجرأة، أمثال، الطبيبة والمناضلة المصرية نوال السعداوي التي طالبت بفرض قانون يمنع « ختان الإناث » في مصر، وفريدة النقاش العضو القيادي في حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي المصري وأمثال الروائية الإيطالية « جراتسيا ديليدا »، التي امتازت رواياتها بموضوع الحب المحرم وغير المتكافئ، وقد حصلت على جائزة نوبل للآداب سنة 1926. و »بيرل بيك » الأديبة الأمريكية صاحبة رواية (الأرض الطيبة) وغيرهن كثيرات…

وفي سياق هذا العرض التاريخي الموجز لا ننسى أيضا المرأة في أوضاع أخرى وفي مجالات إنسانية عديدة، لا ننسى المرأة التي احتلت الشوارع للوقوف طويلا من أجل حراسة الابن الضّال في حضن الرصيف، من جراء الفوضى العارمة للمجتمع المتخبط بأفكاره الطبقية، وفساده السياسي والاقتصادي والاجتماعي المسبب لكل فوضى واقعة أو محتملة، أو حراسة الرصيف بسبب عدم عودة فلذة كبدها من جبهات الحروب الدامية التي تحدث الآن لأسباب طبقية أنانية ومن أجل مصالح الإمبريالية وشركاتها متعددة الجنسيات. ومنهن من أنقذت، بتطلعها السلمي، المحتاجين في المستشفيات والعيادات الطبية. ومنهن المصرّات على تلقي أطفال الجيل وشباب المستقبل الضال، فتعوضه الأمان والأمل بديلا عن الفوضى والجهل والظلامية.

ما أكثر النساء المجهولات في هذه الحياة، اللواتي يناضلن ضد الفقر والعطش والجوع والمرض ومساعدة المغتصبات عرضا وشرفا، وخاصة من اغتصبن على يد الإرهاب الإسلاموي المتوحش تحت عنوان « زواج المتعة ». ورغم كل المصاعب التي تعترض سبيلهن يلتزمن بخدمة البشرية دون مقابل، وتجاه عالم يعاني من سوء التدبير والجهل والاستغلال، والذي يضع المرأة موضع الشك كذريعة من أجل التحكم فيها والهيمنة على مصيرها.

لو قارنا الأحداث الدامية الحالية بالماضية التي عاشتها المرأة، لوقفنا على مدى الخسائر التي لحقت بها وبمجتمعها، من هدم بيتها، وقتل أحد أقاربها، وفقدان أحد أعزائها، وتشتتها في ربوع العالم بحثا عن الأمن واللقمة والكرامة والآدمية، ورغم كل ما عانته نراها تحمل راية النضال، وتبدو أكثر قوّة وعزّة، وإصرارا وجمالا، رغم جميع الظروف القاسية.
ذلك هو التاريخ الحقيقي للمرأة وتاريخ كل المناضلين معها في الغرب وفي الشرق، في المجتمعات التكنولوجية المتقدمة وفي المجتمعات النامية والمتخلفة، يناضلن ويناضلون معها من أجل قضية واحدة ذات مهام مختلفة. لقد أضحت المرأة رمزا، ومضت في طريقها تخلق ما هو غير مألوف وغير اعتياد في عصر الاندهاشات الكونية، فتوزعت أعمالها ونشاطاتها نتيجة لتنوع مواهبها وكفاءاتها، ونتيجة لاختلاف أوضاعها، حتى أضحت علما كبيرا في ذاكرة الذين يدرون، أو الذين لا يدرون، أو الذين لا يريدون أن يدروا. تبوأت المرأة الحياة في أكبر مراكز الكون، باحتلالها مواقع المسؤوليات والمهام، وحقائب العلم والمعرفة والسياسة والاقتصاد والتربية وغيرها.

وكان للمرأة الشرقية نصيب وحظ كبير من كل المهام والمسؤوليات، ولكن لا بد أن نستثني الكثير من الحالات في بعض الأقطار العربية وغير العربية، بداية من السياسة والاقتصاد، والطب، والرياضيات وعلم النفس وغير ذلك من الحالات.

حقا ظهرت أسماء كثيرة في مختلف المجالات، (على الرغم من أن وسائل الإعلام لا تهتم كثيرا بالتحدث عنها، بل تهتم أكثر بحضورها في المجال السلعي والتسويقي)، لكنها رغم كل شيء، ورغم التضحيات الجسيمة حتى الاستشهاد، لم تستطع أن تتبوأ مكانة أختها في المجتمعات المتقدمة، لم تستطع أن تحتل اسم « ماري كوري مثلا »، عالمة الفيزياء والكيمياء البولندية الأصل، التي قدّمت حياتها ثمنا لأكتشافاتها الخطيرة، ولم تستطع أن تتبوأ مكانة نساء العالم المتقدم في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية وغيرها.

وإذا كنا قد ذكرنا آنفا بعض النساء اللواتي ساهمن في صنع التاريخ، وناضلن بشكل بطولي ضد تقاليد واعتقادات الآخر البالية، التي لا ترى من مكان للمرأة سوى حضن الرجل فقط، وهذا ما لم يوافق عليه الكثير من النساء والرجال، ولكن في نفس الوقت وافق عليه الكثير من النساء والكثير من الرجال أيضا. وطبقا لمقولة المفكر الثوري العظيم كارل ماركس: « إن الشعب الذي يضطهد شعبا آخر لا يمكن أن يكون حرا »، طبقا لهذه المقولة نقول أيضا، إن المرأة التي تضطهد نفسها أو تقبل باضطهادها عن طواعية لا يمكن أن تكون حرة، كما أن الرجل الذي يضطهد المرأة لهذا السبب أو ذاك لا يمكن أن يكون حرا. والمرأة في بعض الأقطار العربية وخاصة في دول وإمارات الخليج تنطبق عليها هذه المقولة أكثر من غيرها من نساء العالم، فهي ما تزال بعيدة عن أن تحصل حتى على حقوقها الأولية، ما تزال تعامل كعورة من طرف الرجل ومن طرف النظام الاجتماعي الإقطاعي والثيوقراطي والأفكار الظلامية، وأحيانا من طرف نفسها. ليس لها الحق في اختيار الزوج، ولا في مواصلة التعليم، وليس لها الحق في المشاركة في الحياة العامة، فضلا عن الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ليس لها الحق في أن تنتخب أو تترشح، بل ليس لها الحق في ممارسة حتى أبسط الأمور الحياتية العامة، كقيادة سيارة أو الخروج من البيت دون محرم، أو السفر بدون محرم أو حارس أو « عساس » بعبارة شعبية. فما بالك بالمساواة!. في هذا الصدد نجد أمورا قد تكون أغرب من الخيال. فقوانين الأحوال الشخصية يندى لها الجبين أو يخجل الإنسان الذي له ذرة من العقل أو المنطق أن يتحدث عنها. ومع ذلك فلا غرابة أن يحدث مثل هذا في العديد من البلدان المتخلفة، فالتخلف الاقتصادي والاجتماعي والفكري السائد ينتج كل الشروط لاستمرار العبودية في شكلها الفظ أو في شكلها الملطف؛ ولذلك ينبغي أن يبدأ النضال من هذه النقطة، من أجل تهيئة الأرضية للانطلاق في النضال في مجالات أخرى.

وقضية وجود خادمة للمرأة في أسرة غنية لا تحل المشكلة، فهذه العملية نفسها دلالة على عبوديتها (فلنتذكر هنا مقولة ماركس العظيمة)، كما أن ضمان كوطة للمرأة البرجوازية في المجالس المنتخبة أو المسؤوليات القضائية والسياسية وغيرها (كما يجري في بلادنا) هي دلالة أيضا على التمييز الطبقي، وبالمثل فإن قانون استبدال يوم المرأة العالمي بيوم الأبجدية كما صادق عليه مجلس النواب اللبناني في العام الماضي، يؤدي إلى تشديد ما تتعرض له المرأة اللبنانية من تمييز في المجالات الأخرى بسرقة يومها النضالي السنوي، وكأنما لا يصلح 365 يوما في السنة ليوم الأبجدية سوى هذا اليوم. ومهما يكن الأمر، فإن هذه الظواهر الإقطاعية وشبه الإقطاعية والبرجوازية الانتهازية لا تخدم المرأة العاملة في المصنع، أو الطالبة في المؤسسات المدرسية أو المعلمة في المدرسة أو حتى الأستاذة في الجامعة، وأغلب النساء ليست مهتمة بهذا الامتياز الطبقي.

قضية واحدة ومهام مختلفة

إن قضية المرأة في الجوهر واحدة، سواء في الشرق أو في الغرب، في المجتمعات المتخلفة أو المجتمعات المتقدمة، وهي ليست قضية شخصية أو قضية نضال ضد الذكورية، بل هي رمز لتحرر حقيقي للمجتمع، قضية اضطهاد وهدر للحقوق وانعدام للمساواة، في مجتمعات طبقية تنكر المساواة، وتكرس الاستغلال والاضطهاد. ولكن إذا كانت القضية واحدة من حيث الأساس الطبقي، فهناك تفاوت كبير في درجة التطور أو التخلف، ولذلك تختلف مهام النضال في سبيل تحرر المرأة باختلاف تطور المجتمعات، فمهام المرأة في دول الخليج، ليست هي نفس مهامها في البلدان العربية الأخرى، وليست نفس مهامها في المجتمعات متوسطة التطور أو فائقة التطور، فالمهام تتحدد طبقا لمختلف الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، لكن تبقى القضية في جوهرها واحدة، وهي أنها لا تستطيع أن تنال حقوقها كاملة، إلا إذا نال الرجل حقوقه كاملة أيضا، ولا يستطيع الإنسان، سواء أكان رجلا أم امرأة، أن يتحرر من عبودية رأس المال وينال حقوقه كاملة إلا بالإطاحة بنظام رأس المال الذي أدانه التاريخ، والذي يشهد اليوم أزمات طاحنة قد تعجل بسقوطه إذا توفرت الشروط الموضوعية والذاتية لذلك.

خلاصة القول إن المجتمع الخالي من استغلال الإنسان للإنسان هو فقط الذي يضمن المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة وهو الذي يحقق الحرية التامة ويلغي العبودية المزدوجة والعبودية في شتى أشكالها. وكما تجاوزت البشرية عهد القنانة وعهد الإقطاع ودخلت عصر الرأسمالية وتعيش أزمتها الخانقة، فكذلك لا بد أن تتجاوز عهد هذه العبودية الرأسمالية المأجورة، وتنتقل من مملكة الضرورة إلى ملكوت الحرية، أو تنتقل من ما قبل التاريخ أوالتاريخ الطبقي، إلى التاريخ الحقيقي أوالتاريخ اللاطبقي على حد تعبير ماركس. وآنذاك لن تكون هناك مشكلة بين المرأة والرجل، ولن يكون هناك اضطهاد مجتمع لمجتمع آخر، ولا أمة لأمة أخرى. وإذا كنا لا نستطيع بالضبط أن نحدد متى يحدث هذا التحول الجذري للتاريخ البشري، ومتى تحدث هذه النقلة النوعية للبشرية، نظرا لتعقد الظروف وتشابك العوامل الموضوعية والذاتية، فإن حدوث هذا التحول الجذري في التاريخ آت لا ريب فيه.

محمد علي

11 مارس 2013


Nombre de lectures: 187 Views
Embed This