DzActiviste.info Publié le mar 22 Jan 2013

الربيع العربي « المرفوض » والربيع العربي البديل

Partager

يرى العديد من المحللين والمختصين أن السلبيات الكبيرة، التي انطوت عليها المراهنة على الجماعات الأصولية الجهادية، تزداد وضوحا يوما بعد يوم. فقد أصبح واضحا أن الإمبرياليين الغربيين، وأعوانهم في المنطقة العربية، قد ارتكبوا خطأً جسيما عندما حولوا عملوا عل تحويل الإسلامويين إلى قوة فاعلة، ومحرك رئيسي لما سمي  » بالانتفاضات الجماهيرية » أو بصفة أدق « الربيع العربي » في العديد من البلدان العربية، سواء تلك التي اكتست طابعا عفويا في تونس ومصر، أو تلك التي ساهمت في إيجادها القوى الإمبريالية والرجعية الخليجية والعربية بصفة مباشرة أو شبه مباشرة.

وفي هذا الإطار، يمكن القول بأن الغرب الإمبريالي وكذا أعوانه وحلفاءه في المنطقة لم يستفيدوا من الدرس الحقيقي المتمثل في تجربة استخدام الإسلامويين الجهاديين في صراعهم ضد الاتحاد السوفيتي بأفغانستان في الثلث الأخير من القرن الماضي، ذلك أن هذه التجربة قد انتهت إلى كارثة مروعة تجسدت في هجمات الحادي عشر من سبتمبر2001 الإرهابية في نيويورك، ومهدت تاريخيا إلى ظهور ما عرف فيما بعد بـ « قوات أصولية جهادية » عالمية، على جانب كبير من القوة والخطورة، ولم تؤد إلى استمرار التحالفات معها ولو كان تكتيكيا. والواقع أن الإمبريالية كانت تدرك أن هذا القوى الأصولية لا يمكن أن تشكل حليفا لها، بسبب اختلافات المصالح السياسية والإيديولوجية، ولكنها لم تستثمر ذلك الإدراك المنطقي بصورة براغماتية صحيحة، بل حولت هذه الجماعات الإسلاموية الإرهابية إلى سلاح ضد الأنظمة العربية غير المرغوب فيها وغير الخاضعة لتوجهاتها الهيمنية، دون أن تضع في حسابها أو احتمالاتها أن أسلحة هذه القوة، يمكن أن لا تستخدم بالضرورة حسب رغباتها ومشيئتها. فالأحزاب والحركات الإسلاموية في الشرق الأوسط وفي شمال أفريقيا، وحسب الوقائع الملموسة، تتلقى حاليا دعما سخيا من الممالك والإمارات الخليجية القروسطية. وفي غالب الأحيان لا تستطيع هذه الإمارات أو الممالك الممولة لهذه الجماعات أن تقرر أو تراقب أوجه صرف الأموال التي تقدمها فضلا عن فرض توجهاتها عليها. ومن ثم لا تعرف هذه الممالك طبيعة الجهة التي تؤول إليها الأسلحة، المشتراة بأموالهم.

ففي أوت الماضي، وكما أشارت القناة الفضائية « روسيا اليوم »، نشرت مجلة « السياسة الخارجية » الأمريكية مقالة للمحلل السياسي الأمريكي المعروف « هاري غيمبيل »، أوضح فيها سياسة الولايات المتحدة تجاه هذه الحركات الإسلاموية الجهادية، والطريقة البراغماتية المنتهجة إزاءها والتي أدت في نهاية المطاف إلى فشل ذريع. يقول المحلل الأمريكي في هذه المجلة:

« بما أن الجهاديين في سورية يقاتلون إيران وحلفاءها العرب، فإن من مصلحة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين أن يدعموا أولئك الجهاديين في السر وفي العلن، يجب أن ينأوا بأنفسهم عن ذلك الصراع، الذي سيكون دمويا وقاسيا جدا قبل أن ينقشع غبار تلك الأزمة. وبهذا سيكون لدى الغرب وحلفائه متسع من الوقت للتفكير في كيفية ترويض الوحش الإيراني، بعد أن تتبدد كل طموحاته الإقليمية. » ولكن من الناحية العملية، لم تؤد هذه السياسة إلى نتائج ملموسة حتى الآن.وقد تؤدي إلى كوارث حقيقية.

هذا الموقف يشكل سذاجة واستهتارا

وبغض النظر عن التقييم الحقيقي لموقف الغرب الإمبريالي وحلفائه، فإن الأوضاع الملموسة لا تسير وفق ذلك السيناريو المرغوب فيه، رغم المظاهر العديدة التي توحي بذلك، فقد أثبتت الأحداث التي وقعت في ليبيا وسورية أن المقاتلين الإسلامويين، من القاعدة وغيرها، يشكلون القوة الرئيسية بين مجموع فصائل القوات المقاتلة. وطبقا لمعطيات قدمها مركز « بروكينغز » في العاصمة القطرية « الدوحة »، تعد غالبية الفصائل التي قاتلت بشراسة لإسقاط نظام القذافي، تملك خلفيات جهادية أو إسلامية وليست نيوليبرالية إسلامية معتدلة، بدليل استقالة جبريل محمود رئيس الهيئة التنفيذية المتمخضة عن سقوط نظام القذافي، والمحسوب على التيار الليبرالي مبكرا. ويمكن الإشارة في هذا الصدد أيضا إلى أن الجماعات الإسلامية، بقيادة رئيس المجلس العسكري في طرابلس فيما بعد، عبد الحكيم بلحاج، هي التي هاجمت مقر إقامة العقيد القذافي في باب العزيزية، بالتعاون مع القوات الخاصة القطرية.

ومهما يكن من أمر فإن ثمن الانتصار على القذافي، كما يتضح يوما بعد يوم، كان باهظا جدا، بالنسبة للغرب الذي يسعى إلى التغيير بما يتناسب مع مصالحه الخاصة. لأن السماح لما يطلق عليه في وسائل الإعلام الغربية بـ « المارد الجهادي » بالخروج من قمقمه، أسهل بكثير من إعادة ذلك المارد إلى القمقم. صحيح أن البلدان الإمبريالية، التي لم تكن تريد الديمقراطية لشعوب المنطقة بقدر ما تريد الاستحواذ على ثرواتها وتشتيتها، قد جنت الكثير من هذه التروات، ولكن مقابل ثمن باهظ تواجهه في ترويض الجماعات الأصولية. فإرهاب الجماعات السلفية يجتاح اليوم إلى مدن ومناطق بأكملها في شرق ليبيا، كما أن الأمن غير متوفر لا للسكان ولا للتواجد الغربي في مناطق البترول. وحتى في مدينة بنغازي التي تعتبر المهد الرئيسي لما سمي بـ « الثورة الليبية »، لا يمكن لأحد أن يشعر فيها بالأمان. وخير دليل على ذلك، الهجوم الذي شنه مقاتلو جماعة « أنصار الشريعة » على القنصلية الأمريكية في الآونة الأخيرة، وكذا على محطة المخابرات المركزية الأمريكية « CIA » في تلك المدينة. لقد أودت أحداث بنغازي تلك بحياة السفير الأمريكي في ليبيا وثلاثة آخرين من الأمريكيين، ومثلت ضربة قاسية لسمعة الرئيس باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون. وعلى الرغم من فداحة هذه الخسائر السياسية، إلا أن المعركة الرئيسية في ليبيا لا تزال في بطن الآتي من الأيام، أو بعبارة أخرى في حكم المجهول.

ولعل أكثر ما يثير القلق لدى الغربيين، على الصعيد الإقليمي، هو أن ليبيا أصبحت مركز إمداد رئيسيي للجماعات السلفية القتالية بعد التخلص من نظام القذافي، وخاصة بالنسبة لـ « تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي »، بدليل أن عملية إين أمناس الإرهابية الأخيرة كانت من تنفيذ جماعات إرهابية قادمة من ليبيا (وإن كان الوزير الأول عبد الملك سلال يصر في تصريحاته على أن المجموعة الإرهابية التي نفذت العملية الإجرامية جاءت من مالي ». وبغض النظر عن حقيقة الوجهة التي جاءت منها هذه الجماعة، فإن ذلك لا يغير شيئا من إخفاق وفشل الغرب الإمبريالي في توظيف الجماعات الإرهابية في التخلص من الأنظمة غير المرغوب فيها من المنطقة، حيث جاءت بأنظمة تفوقها من حيث الفوضى وزعزعة الاستقرار. فقوافل الأسلحة المستولى عليها من مخازن نظام القذافي، أخذت تنتشر في المناطق الشمالية من جمهورية مالي، التي تنشط فيها ثلاث من أكبر وأقوى المجموعات الإرهابية الأصولية، وهي: « جماعة أنصار الدين »، و »القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي »و »حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا ».

إن كل ما جرى في ليبيا ويجري حاليا في مالي وفي سوريا، ليس سوى تمهيد لما سيكون في المستقبل. لقد حذر قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا، الجنرال كارتر هام، حسب ما ذكرته القناة الفضائية روسيا اليوم وغيرها من القنوات الفضائية المشهورة، من أن « شبكة جهادية أصولية » يجري تشكيلها في أفريقيا تمتد من نيجيريا وتمر عبر مالي وليبيا حتى تصل إلى الصومال. وطبقا لرأي ذلك المسؤول العسكري الأمريكي، فإن الجماعات الإسلامية المتطرفة والمقاتلة تزيد أكثر فأكثر من تنسيق التعاون فيما بينها بشكل ملحوظ، بغض النظر عن كونها من القاعدة أو من غيرها.

وكنتيجة طبيعية للأحداث التي شهدتها ليبيا وتشهدها مالي حاليا، أصبحت الجزائر وموريتانيا وتونس وبوركينا فاسو والنيجر وغيرها من دول الساحل في خطر محدق. وأبرز دليل على ذلك الخطر- ولا بأس من تكرار المثل مرة أخرى بسبب دلالاته المتعددة – هو العملية الإرهابية التي نفذها الإرهابيون الاسلامويون، الذين استولوا على مجمع تيڤنتورين لاستخراج الغاز في جنوب شرق الجزائر بعين أمناس، وأخذوا رهائن كل من كان فيه، من بينهم عشرات من الأجانب ينتمون إلى 12 بلدا.

وإذا عدنا إلى سوريا، فإننا سندرك كم كانت حسابات القوى الإمبريالية مغرقة في الخطأ في تصور الوضع المتشكل حولها، فتواجد المجموعات والأحزاب الاسلاموية في « الائتلاف الوطني السوري » هو تواجد كبير ومهيمن، كما أن الإخوان المسلمين السوريين يسيطرون على « المجلس الوطني السوري » الذي يشكل الجزء الأساسي من هذا الائتلاف.

أما بالنسبة للمقاتلين الإرهابيين الذين تمرسوا على القتال في المعارك ضد القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان، فهم يشاركون بقوة في الحرب ضد بشار الأسد والنظام الحالي غير المرغوب فيه من قبل الإمبريالية وأعوانها في المنطقة، ويشكل هؤلاء الجزء الأكبر القادر على القتال ضمن صفوف الجماعات التي تسعى إلى إسقاط النظام. ومن الملاحظ أن أكثرية المجموعات المتمردة المكونة من التشكيلات المحلية، مرتبطة مع هذه المدينة أو تلك أو هذه القرية أو تلك، بينما المقاتلون الاسلامويون الأصوليون الذين جاءوا من الخارج على استعداد للذهاب إلى أي مكان وفقاً للأوامر الصادرة إليهم، سواء أكان هذا المكان حلب أو دمشق أو غيرهما. وبناء عليه، تتجاهل المجموعات الاسلاموية المقاتلة عموماً الهيئات التنظيمية للمتمردين في سورية. لأنها تتلقى التمويل مباشرة من قطر والمملكة العربية السعودية، ولم يضعف تيار المقاتلين الذين جاءوا من ليبيا وتونس وأفغانستان وحتى من جمهوريات آسيا الوسطى. فمن الملاحظ، أن المجموعة الجهادية الإرهابية الأبرز في سورية هي « جبهة النصرة »، (المنتمية إلى القاعدة التي رفضت عموماً الانصياع لما يسمى « المجلس الوطني السوري » والقيادة العسكرية التي أنشأها هذا المجلس.

وهكذا، فالمجموعات المسلحة تريد أن تحقق أهدافاً بعيدة عن الأهداف التي أطلقها ما سمي ب »المجلس الوطني » الذي يعد قولا بأنه يعمل من أجل إقامة نظام ديمقراطي في سوريا يحل محل نظام بشار الأسد الاستبدادي، بل إن هذه المجموعات الإرهابية لا تخفي سعيها إلى إنشاء دولة « سوريا الإسلامية ». ولهذا، فمن المنطق الاعتقاد بأن المقاتلين الإرهابيين الأصوليين على غرار « جبهة النصرة » يواصلون « جهادهم » حتى تحقيق النصر، بغض النظر عن مصير الأسد ونظامه.

في ظل هذه الظروف، لا يمكن عقد الآمال على تحقيق الاستقرار في سورية في المستقبل المنظور، وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار العامل الطائفي « الذي أطلقته من عقاله » الجماعات الإرهابية واستثماره في مواصلة الحرب، واحتمال انتشار الفوضى، على غرار « الفوضى الخلاقة » إلى الجوار السوري (خصوصاً في لبنان والعراق)، وهو خطر يهدد كامل المنطقة.

وحتى التحليل السطحي للأوضاع بعد التمرد الذي هللت له القوى الإمبريالية والصهيونية في العالم العربي والمنطقة المحيطة به، يُظهر أن ثمن الفوز الذي تم تحقيقه مؤقتا في فترة قصيرة، مثل تغيير الأنظمة في ليبيا وتونس ومصر واليمن أو الانتقام من حلفاء إيران في البحرين واليمن، من الممكن أن يكون باهضاً جدا على المدى المتوسط والبعيد، إلى جانب الشكوك في مسألة استقرار « الديمقراطيات » الليبرالية الإسلاموية الوليدة في تركيا ومصر وتونس، ولذا يصبح من الضرورة الملحة حل مسألة تحييد الإسلامويين المتطرفين الذين أخذوا يكتسبون القوة والاستقلالية، والذين من السهل أن يتحولوا من أعداء للأنظمة الديكتاتورية في البلدان العربية إلى مصدر مزعج بالنسبة لمؤيديهم الإمبرياليين ومموليهم الخليجيين. وبالفعل، توجد بؤرتان لعدم الاستقرار في المنطقة: منطقة الساحل الإفريقي وسورية. لكن على مايبدو، أن دول الغرب الإمبريالي ودول الخليج التابعة لها، مازالت تواصل التظاهر، بأنها تستطيع التغلب على هذا التحدي، لكن يتضح حتى الآن، أن ذلك بعيد المنال أو مازال شبيها بأحلام اليقظة.

وعلى الرغم من أن الأفق يبدو مسدودا على المستوى المنظور، إلا أن طبيعة الأمور تقتضي أن الشعوب سوف تأخذ درسا معتبرا، ما يجعلها ترفض الجانبين معا: النظام النيوليبرالي التابع للغرب، والنظام الثيوقراطي الأصولي المعادي شكليا للغرب والقابل للاستثمار من قبل الدول القروسطية الخليجية.

وأخيرا فإن الحل الصحيح في نظرنا والذي يستجيب لرغبات الشعوب يكمن في ارتفاع مستوى الوعي والكفاح اللذين سيخلصان الشعوب من التمرد العفوي على أنظمتها الاستبدادية ووضعها في مزابل التاريخ، والقيام بانتفاضات حقيقية موحدة تقودها قوة ثورية من أجل تحقيق البديل الإيجابي المتمثل في ثورة ديمقراطية شعبية تمهد الطريق للإطاحة بالنظام الرأسمالي وتشييد نظام اشتراكي سيقضي على الاستبداد والاضطهاد والاستغلال. وعلى الرغم من أنه لا يمكن تحديد متى تتحقق هذه الشروط الذاتية بالضبط، مع أن الأزمة الرأسمالية ما تزال تعرف التعفن والاستفحال، إلا أن هذه الشروط ستحقق بالتأكيد، وبالتالي فالثورة الاشتراكية آتية لا ريب فيها، لأنه لا خيار للبشرية سوى الاشتراكية او العودة إلى البربرية.

حامد ربيع

22 جانفي 2013


Nombre de lectures: 267 Views
Embed This