DzActiviste.info Publié le sam 2 Fév 2013

الشيخ « الثائر » ولعبة السياسة

Partager

جدد رئيس الإئتلاف السوري « لقوى الثورة والمعارضة » أحمد معاذ الخطيب استعداده للتفاوض مع الحكومة السورية. وفيما يبدو تطويرا للمبادرة المثيرة للجدل، التي طرحها منذ أيام، انتقد الخطيب المجتمع الدولي ودعاه إلى رفع الظلم عن الشعب السوري، وعرض تدرجا للحل يبدأ من الحل السلمي، وينتهي في حال عدم تجاوب النظام إلى خيار اضطراري وهو توجيه ضربات لمراكز قيادة النظام.

وأثارت مبادرة « حسن النية » التي أطلقها إمام الجامع الأموي حفيظة واستنكار كثيرين، ولم تحظ بأي التفاتة رسمية من المعني الأول وهو الحكومة السورية، وفي المقابل أيدها كثيرون في صفوف المعارضة، وحفزت فكر مؤيدين للبحث في أسباب إطلاق هذه المفاجأة من العيار الثقيل وتأثيراتها على مستقبل الإئتلاف المعارض، وأوضاع البلد.

مبادرة رئيس الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة الشخصية نشرها على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي « فيسبوك ». وكانت محط انتباه كل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية. فالرجل لم يعد مجرد رجل دين ثائر في وجه نظام بلاده، بل هو رئيس « الممثل الشرعي للشعب السوري » بإقرار نحو مئة دولة ونيف في مؤتمر مراكش.

والمبادرة باختصار تضمنت استعداده « للجلوس مباشرة مع ممثلين عن النظام السوري » للبحث عن حل سياسي للأزمة » شرط تحقيق « أمرين أساسيين: أولا، إطلاق سراح مائة وستين ألف معتقل من السجون، وأولها النساء ومعتقلو المخابرات الجوية وسجن صيدنايا. ثانيا: الإيعاز إلى كل سفارات النظام بمنح جميع السوريين الذين انتهت جوازاتهم جوازات جديدة أو تمديدها لمدة سنتين على الأقل ».

مصير المبادرة بات معروفا للجميع، فمعظم مكونات الإئتلاف المعارض وخصوصا المجلس الوطني السوري اعتبر أنها تخالف القانون الأساسي للائتلاف الذي أكد أنه لا مفاوضات إلا على رحيل النظام، فيما التزمت الحكومة السورية الصمت ولم تتكلف عناء الرد على المبادرة، فهي لا تعترف أصلا « بائتلاف الدوحة » أو « مجلس اسطنبول »، وتفضل مواصلة القتال حتى « القضاء على آخر إرهابي »، وفي حال قررت الحكومة الحوار فهي لن تختار الائتلاف انطلاقا مما قاله الرئيس بشار الأسد في خطاب دار الأوبرا الأخير بداية الشهر الماضي بأن مبادرات الحوار والحل ليست موجهة للمعارضة المؤتمرة بقرارها من الخارج.

مبادرة مثيرة للاهتمام وخطأ إجرائي وصح سياسي

ومن السذاجة تصور أن إمام الجامع الأموي السابق الذي اعتقل واضطر إلى مغادرة « الشام » على خلفية نشاطه في الحراك منذ بداياته على قناعة بأن الحكومة سوف تستجيب للمبادرة. لكنه ربما فوجئ بالرد العنيف من قبل زملائه في المجلس الوطني السوري والائتلاف الوطني.

وأتوقف عند تعليقين مهمين على المبادرة، أولهما ما قاله المبعوث الأممي الدولي الأخضر الإبراهيمي الذي التقفته المبادرة باهتمام وقال « إنه إعلان يحظى باهتمام.. دعونا ننظر كيف سترد الحكومة السورية عليه » قبل أن يستدرك « دعونا نرى كيف ستكون ردة الفعل لدى زملاء معاذ الخطيب »، ولم يفت الدبلوماسي المحنك استغلال الفرصة وتجديد الدعوة للحوار للتوصل إلى اتفاق سياسي، لأن العمليات العسكرية « لم تفض إلى وقف النزاع. النزاع يتفاقم والدمار الذي يلحق بالشعب والبلاد يتضاعف ».

التعليق الآخر المهم من وجهة نظري ما نشره الكاتب السوري المعارض ياسين الحاج صالح على صفحته في الفيسبوك إذ اعتبر أن « اقتراح معاذ الخطيب: خطأ إجرائي وصح سياسي »، وأوضح أن « الخطأ يتمثل في ما يبدو من أن الرجل لم يستشر أحدا قبل الخروج بهذا الاقتراح الذي نشره على صفحته على فيسبوك…. ويبدو طرح الخطيب مرتجلا، فلا هو مجرد رأي عارض لرجل صار كل ما يقوله موضع متابعة واهتمام ومؤاخذة ولا هو « مبادرة » مدروسة مكتملة الأركان ». واعتبر الحاج صالح أنه يمكن المزاوجة بين هدف الثورة الجوهري « بمبدأ رحيل النظام بكل رموزه وأركانه » ومبادرات سياسية ربما تكون محطات في سبيله. وأشار إلى أنه « من شأن ذلك أن يرمى الكرة في ملعب النظام ويضعه في وضع دفاعي، وقد يضطر إلى تقديم شيء يموه به طابعه كطغمة عدمية. ومن شأنه أيضا أن يخرج قوى دولية مترددة من ترددها، ويضعف من دواعي تشككها بجدية المعارضة السورية. وأهم من ذلك، من شأن مبادرة سياسية أن تخاطب جمهورا سوريا مترددا، وإن لم تكسبه إلى صفوف الثورة فإنها تدفعه إلى الابتعاد خطوة عن النظام. وقبل ذلك، من شأنها أن تخاطب جمهور الثورة وتوسع أفقه السياسي ».

ويؤكد المنطق أن حصيلة أي جهد أو عمل لا يمكن أن تكون صفرية في الحياة، ولهذا فإن تأثير مبادرة الخطيب لن ينتهي بمجرد قرار الهيئة السياسية للائتلاف وتأكيده على أن لا حوار إلا على رحيل النظام، أو استهتار النظام بالمبادرة وعدم الرد عليها رسميا.

مبادرة السياسي الثائر

فالمبادرة في شكل أو آخر بعثت برسائل إلى النظام ومناصريه وكذلك إلى المعارضين والمتضررين في الداخل خصوصا أنه انطلق من أن سبب طرح مبادرته هو الأزمة غير المسبوقة التي يعيشها المواطن السوري، وأكد أن الهدف الترتيب من أجل مرحلة انتقالية توفر المزيد من الدماء. وهو خطاب يعني كل أبناء الشعب السوري الذي تزداد معاناته كل يوم، فمع احتدام المعارك يزداد عدد القتلى والجرحى، وتكثر عمليات الخطف، ويرى المواطن البسيط بلاده وهي تتهدم، ويضطر إلى النزوح أو اللجوء تاركا كل شقاء عمره من أجل النجاة بأولاده.

ولعل أهمية ما طرحه الخطيب تكمن في أنه أول مبادرة سياسية يطرحها رئيس أكبر تنظيم معارض، بغض النظر عما إذا كانت تمثل رأيه الشخصي، أو كانت في إطار التكتيك، لرفع جزء من معاناة مئات ألوف السوريين من المعتقلين وذويهم، وغير القادرين على تجديد جوازات سفرهم بسبب موقفهم الداعم للمعارضة. وهي خطوة تساعد في مواجهة النظام في حال طالت الأزمة كما يتوقع كثيرون.

وفي دفاعه عن المبادرة يقدم الخطيب نفسه نموذجا للسياسي الثائر الذي لا تهمه « الأعراف الأكاديمية (للسياسة)، لأني أؤمن بأن واجبي هو فقط أن أخدم شعبي ولا تهمني الكلمات ولا الألقاب ». وأعلن بوضوح أنه يكره السياسيين وعزا ذلك إلى أنه « من أصل ثلاثة آلاف وخمسمئة عام من حياة البشر مر فيها فقط بضعة أيام بلا حروب » .. وأوضح أن الأمم كانت « تقاد من كبار السياسيين ونجحت في حروب طاحنة مرعبة وخسرت في أخرى ولكنها دمرت الإنسان ».

وتعيد المبادرة تقديم الائتلاف المعارض كطرف براغماتي منفتح على الحوار مما يشجع الولايات المتحدة وأوروبا وداعمي الائتلاف على زيادة دعمه، ويقوي موقفها في المباحثات مع الأطراف الداعمة للنظام من أجل التوصل إلى توافق دولي لإنهاء الأزمة. وفي هذا الإطار لن أكرر ما طرحه كثير من المحللين والشيخ الخطيب نفسه في صفحته على الفيسبوك عن خيبة الأمل الكبيرة من طريقة التعامل مع الائتلاف وعدم الوفاء بتعهداته.
رسائل المبادرة والقراءات الخاطئة.

واستدراكا لهذا، فإن المبادرة فتحت مجالا لنقاش في داخل المعارضة، لرسم سياسات تختلف عن النهج السابق الذي كان يعتمد أساسا حسب كثيرين على مبدأ المزايدة على شعارات بعض قطاعات الشارع دون الالتفات إلى معاناة الأغلبية الصامتة أو المؤيدين للحراك بصمت. ورغم المفاجأة بتعيين الخطيب رئيسا للائتلاف قبل أكثر من شهرين بسبب عدم وجود تاريخ سياسي له، فإن الرجل يسير بخطوات ثابتة ويثبت أنه يتفوق على كثيرين ممن مارسوا السياسة عبر تبنيه قضية معاناة الناس، واشتقاقه لتكتيكات وطرح مبادرات تخدم في الإطار العام حتى لو لم يكن لها نصيب في الحياة. وبغض النظر عن توقيت وأسباب المبادرة فإن تحليلا دقيقا يظهر أنها تفتح مرحلة لتطوير خطاب المعارضة، وتغيير شكل علاقتها مع الشعب السوري، والأطراف الخارجية بعض النظر عن موقفها من الأحداث، كما أن المبادرة، وإن كانت ناقصة، أحرجت الحكومة السورية وأربكتها، وربما أدخلتها في حسابات خاطئة إذا استمرت في النظر إليها على أنها تعبير عن إفلاس الائتلاف وانفضاض مؤيديه من حوله وخذلانهم له، وفي حال لم تنظر إلى أن « مبادرة » الخطيب الناقصة ربما تكون موجهة بالأساس إلى الداخل السوري، والأطراف الخارجية، التي سوف تعمل على أقل تقدير على اقتناصها وتطويرها من ذات البلدان التي تحتضن المعارضة في محاولة لبناء توافق دولي لحل الأزمة السورية وفق خط بدأت ترتسم معالمه، وهو ما سوف يتضح في اختتام مؤتمر ميونخ للأمن.

سامر الياس

(المقالة تعبر عن رأي الكاتب

والجزائر الجمهورية ليست مسؤولة عن فحواها)

عن روسيا اليوم 02 فيفري 2013


Nombre de lectures: 325 Views
Embed This