DzActiviste.info Publié le dim 21 Juil 2013

مساهمة منشورة في يومية ليبرتي الصادرة بتاريخ 25 مارس 2012 تحت عنوان « من أجل صحوة المواطن »

Partager

To my fellow citizens

لقد أصبحنا خبراء في فنّ المعاينة. على الرغم من عدم قدرتنا على ترجمة ذلك إلى أفعال واقعية تُخرجنا من الركود الاقتصادي والاجتماعي الذي حبس أنفاسنا ويحررنا من قبضة النظام الاجتماعي الذي سيجعلنا في مصاف الأمم التي تقود مصيرها. فلأزيد من 20 سنة ونحن في أزمة متعددة الأبعاد جعلتنا عرضة لكل الشكوك وألقت على مستقبلنا بظلال مصير مشئوم. وعلى الرغم من وفرة رؤس الاموال إلا أن القرن الــــــ 21 هو بالنسبة لنا مرادف للبطالة والتكاليف الباهضة للعيش وعدم الاستقرار الاجتماعي والإضرابات وأعمال الشغب في مواجهة أزمة سياسية كبيرة. لقد فقدت مؤسساتنا اليوم كل الشرعية ولم يعد بوسعها حتى ترسيخ أي عقد اجتماعي. وعلى الرغم من الاضطرابات التي يعرفها العالم العربي والتي تعكس طموح الشعوب التي تصبوا إلى الحرية إلاّ أن نظامنا السياسي الذي هو سجين تصوره الرجعي للعلاقات الاجتماعية يستمر في سياسة الهروب إلى الأمام. وبالتالي فإن الجزائر تصنع الاستثناء في عالم عربي كان ولفترة طويلة جدا تحت نير الأنظمة الاستبدادية والمعادية للتقدم.

قد نميل إلى تفَّهُمِ أولئك الذين يعتقدون أنه لم يعد لدينا حلم وأننا لا نطمح لتحقيق الأفضل غير  العيش للبقاء على قيد الحياة وأننا سنظل إلى الأبد أسرى لمخاوفنا. بالطبع  ولحد الساعة لم ينزل الشعب الجزائري إلى الشارع  للتخلص من العبودية والطلاق من نظام يجرّه بدون شك إلى حافة الهاوية. ناهيك عن كون الشعب الجزائري شعبا شابا مع أكثر من 30٪ من السكان البالغ من العمر بين 15 و 29 سنة. لم يعش هؤلاء الشباب عن قرب سنوات الجمر  وعليه سينتهي به المآل عاجلا أو آجلا إلى عدم تقبل أن يكون مستقبله مرهونا. هذا ونظرا لغياب الوسائل ومنابر  التعبير السلمي، فلن يكون له خيار آخر  سوى استخدام القوة للمطالبة باسترداد ما هو حقه.

وما يثير مخاوف كلا الطرفين (الشعب والنظام) من الانزلاق الجديد نحو العنف والهذيان سيحدث في نهاية المطاف  في حال عدم تغيير سلوكهما. فيما يخص النظام، كلما مرّ المزيد من الوقت يؤكد رغبته أكثر فأكثر  في الحفاظ على الوضع الراهن وتهاونه في إجراء أي تغيير جذري في حكم بلادنا. والشعب بالنسبة له ولاسيما النخبة ومن خلال  تخليه عن تحمل المسؤولية وإدارة ظهره للسياسة (أي التقبل الكلي للوضع بمعنى المشاركة الفاعلة في حياة البلد) سمح باقامة وضع سيئ سيخرج عن نطاق السيطرة في نهاية المطاف مع خطر انزلاق البلاد نحو الفوضى.

…ولأننا تخلينا عن النشاط السياسي

إن رفض النشاط السياسي هو في الواقع التنصل من المشاركة الضرورية والملائمة في بناء هادئ لمشروع جديد للمجتمع الذي يعكس تطلعات كل فرد. وبكلمة واحدة، هو تقبل فرض اختيار لمجتمع بشكل اعتراضي لأن غياب النقاش العام وعدم القدرة على المبادرة بتفكير عميق ومبدع لا يوصل إلى سدّة الحكم سوى الأطراف « الإسلامية ». ولكن من أجل أي مشروع مجتمع؟ مثل معظم أبناء بلدي، فأنا جدّ متعلق بالإسلام وقيمه. لكن وكما قال الراحل بوضياف، فلنقي نظرة من حولنا على الدول المتقدمة وتلك التي تنتج كل التكنولوجيا والسلع التي نكتفي نحن باستهلاكها. فدولة القانون والعدالة الاجتماعية والتضامن والثقة الاجتماعية والأخلاق الجماعية (ولاسيما في إدارة الشؤون العامة) والحرية تلك هي القيم والمعايير التي كفلت نجاح هذه الشعوب. وهي نفس القيم التي سمت من أجلها الشعوب المجاورة. لكن وكما يظهره تاريخ الشعوب التي كانت  قادرة على بناء مجتمعات التقدم، لا يمكن ضمان هذه الحقوق والقيم إلا من طرف مؤسسات قوية وشرعية ومسؤولة أمام المواطن. فلا يمكن بناؤها  بأي حال من الأحوال على أساس الفضيلة البسيطة والمحتملة للأفراد. هذا وحتى لا نسيئ الظن، لا أحد يحتكر الفضيلة ومشكل الجزائر لا يكمن اطلاقا في غياب الإسلام ولكن في مشكل شرعية المؤسسات ومسؤولية الحكام تجاه الشعب وعدم وجود  مجتمع مدني قوي.

نحن مسؤولون بشكل جماعي عن الوضع السائد في بلدنا لأنه بدلا تكريس أنفسنا من أجل حقوقنا، تركنا المجال مفتوحا لاستبداد قادتنا. في الواقع، كيف يمكن لهؤلاء  العمل لأجل الصالح العام بينما لا نقوم بمحاسبتهم؟ والأدهى من ذلك كله، هو حينما نرى عدم اكتراثنا بمصير بعض مواطنينا، فمن الواضح أنّ مفهوم المصلحة العامة هو الذي ينقصنا. على الرغم من أن  هذه المسؤولية للحكام أمام الشعب تشكل المبدأ الأول لأي مجتمع يقوم على العدل ولا يمكن سوى للمؤسسات « الديمقراطية » أن تكون حاجزا واقيا من إساءة استخدام السلطة من طرف أي شخص في المجتمع. وبالتالي ومادمنا في أوجّ الأزمة ينبغي أن تتحلى الأمة برمتها بفكرة وجود شعب عظيم يحكم نفسه بنفسه. إن أسطورة الشخص المنقذ هي ضرب من الخيال وذلك كما جاء في السورة 13 من القرآن الكريم: « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم « . سيكون الطريق طويلا وشاقا ولكن ينبغي لنا حشد كل جهودنا وكل ما أوتينا من عزيمة وجميع مواهبنا لنبني معا مجتمعا حديثا يصون قيمنا الثقافية والدينية. ومع ذلك، يجب علينا في المقام الأول العمل للخروج من الأزمة التي نحن فيها والتي يزداد تهديدها لنا كل يوم. ولكن ماذا يجب القيام به؟

على الصعيد السياسي، نحن نواجه معضلة حقيقية. فالمشاركة في إطار  الأحزاب السياسية الحالية التي فشلت من خلال أدائها ببساطة لدور عيون وآذان السلطة، هي تزكية للدولة في مشروعها الرامي إلى الحفاظ على الوضع الراهن عن طريق إجراء عمليات تجميل سطحية للواجهة دون المساس حتى بالأسس التي يقوم عليها نظامنا الاجتماعي. إن عدم المشاركة يعني إلزامنا باستخدام حتمي للقوة. كيف يمكن حلّ هذه المعضلة والخروج من هذا المأزق؟

 

 

 

 

للإفلات من ذلك، يجب علينا اعادة هيكلة منظومتنا السياسية من خلال استرجاع المواطنة المفقودة 

فالجواب يكمن في البحث في أسباب إخفاقنا، تلك المذكورة أعلاه ولاسيما عدم قدرتنا على العمل السياسي.

هذا وندرك جميعا أن الوضع مأساوي وأن « الأمور يجب أن تتغير »، ولكن نواصل الانصياع لنفس قواعد اللعبة والتي تتمثل في  قواعد الوضع الراهن. وتعود أسباب هذا الجمود السائد حاليا من جهة إلى كوننا لنزال غير  قادرين على تحديد هذه « الأشياء التي  يجب أن تتغير » ومن جهة أخرى، غياب الثقة فيما بيننا. فهشاشة الثقة الاجتماعية تمنعنا من التفكير  في مشاكلنا بشكل جماعي وصهر مصالحنا الخاصة في مصلحة عليا.

يا ترى ما هو الشيء الذي يجب تغييره؟ ما يجب تغييره جذريا هو علاقتنا بمحيطنا، ولاسيما تجاه زملائنا المواطنين وتجاه الدولة وممثليها. وأخيرا، ينبغي لنا أن ندرك أنه عندما يكون الجزائري ضحية ظلم وعندما نحرمه من أبسط حقوقه وحرياته الأساسية بعد تخلينا عن التضامن فيما بيننا، بذلك نكون قد تنازلنا عن حقوقنا  وحرياتنا. يجب علينا أن ندرك أن واجباتنا تجاه بعضها البعض هي المصدر النهائي لحقوقنا وهو السبيل الوحيد للخلاص من استبداد حكامنا الذي نعاني من ويلاته لمدة خمسين عاما. وعليه ينبغي لنا وضع حدّ لهذه الويلات والعمل من أجل التغيير. يجب أن نقول لا للفساد على جميع المستويات ولا لسياسة التعسف التي تمارسها المؤسسات والإدارة ولا للظلم تحت أي شكل من أشكاله. يجب علينا توحيد صفوفنا لمحاسبة قادتنا على تسييرهم للشؤون العامة. وكانت لقراراتهم عواقب وخيمة على حياتنا اليومية ومستقبل بلادنا، ولذلك لا يمكننا الاستمرار في تجاهلها. فإذا  كانت الأحزاب السياسية ليست الآن المكان المناسب لمثل هذا العمل، فعليه ينبغي لنا الانخراط في جمعيات عادية وجمعيات المستهلكين والعمال والمواطنين من أجل العمل كفرد واحد واسماع اصواتنا والمطالبة بحقوقنا.

كل هذا يتطلب الكفّ عن انتظار  الحل السحري،الحلّ اليسير، وأن ندرك بأن تخلينا المطلق عن كرامتنا وأحلامنا سمح بظهور واستدامة النظام الاجتماعي المعادي للتقدم والخانق للحريات. وهذا يستلزم أيضا أن نستعيد ثقتنا وأن نقتنع بأننا لسنا أقل كفاءة من الشعوب الأخرى لبناء مجتمع التقدم والحرية.

لقد كان الفيلسوف كانط مخطئا، فليس لدينا قادة في صورتنا وليس محكوم علينا بالرداءة. نعم، لدينا الحق والواجب أيضا أن نكون صارمين لأننا نملك  إمكانات تجسيد أنبل تطلعاتنا وأكبر أحلامنا، تطلعات وأحلام شعب عظيم وأمة عظيمة. لهذا نحن بحاجة إلى التحلي بالشجاعة، ليس في استخدام القوة ولكن في الاتحاد، فهي الشجاعة في بذل الجهد المستمر وتحمل المسؤولية ولاسيما القيام بالواجب. الشجاعة أيضا هي العودة إلى  الحقيقة والبحث عنها والتكلم بلهجتها. والشجاعة أخيرا هي رفض الاستبداد وافتراءات قادتنا لنبني معا نظاما اجتماعيا أرحب وأكثر أخوة وأكثر  عدلا على وجه الخصوص.

ولنكن مقتنعين بصفة نهائية أنه لا يمكن لأي أحد منا السمو  بمعزل عن أمة بأسرها، من خلال مشروع جمهورية جديدة متطلعة نهائيا إلى المستقبل والتي في كنفها يجد أخيرا المواطن الجزائري مكانه الفعلي. إن هذا المشروع الشاق والطموح الذي ينبغي لنا من اليوم العمل من أجله  هو مسؤوليتنا كمواطنين حتى نتمكن معا من ضمان مستقبل الملايين من اخواننا المواطنين. فنحن معتزون كل الاعتزاز  بزخم إرثنا التاريخي وباتحادنا  سننجح حيث فشل الآخرون في الماضي. يجب علينا التطلع إلى المستقبل واستخلاص العبر من دروس الماضي لكي نجتنب الوقوع في نفس الاخطاء. لا ينبغي أن تنظر السلطة إلى التغيير باعتباره تهديدا بل ينبغي أن يرمز ذلك إلى فرصة كبيرة لحشد كل القوى الحيّة  لبلادنا. لا ينبغي لأحد أن يشعر بأنه مهدد بالمنعطف الذي يجب أن يسلكه مجتمعنا  لأنه فقط ومن خلال الحوار ولاسيما مع جميع طبقات المجتمع (على غرار  الطبقة السياسية والمدنية والعسكرية)، يمكننا التوصل إلى حل سلمي للأزمة التي تهدد كل يوم مستقبلنا بشكل غير محسوس. يجب علينا أن ندرك أنه ينبغي أن تكون الإصلاحات السياسية والاقتصادية تتماشى والتحديات التي نواجهها والإصلاح العميق لنظامنا الاجتماعي.

لن يكون ربيعنا ربيع الثورة العنيفة، ولكن ربيع صحوة المواطنة.فلنعلن بصوت قوي ومرتفع أننا سنكون من الآن فصاعدا في حالة تأهب ويقظة، وسوف نصبح سويا قوة مواطنة قائمة بحد ذاتها. هذا وفي جو يسوده الهدوء وبعد التسلح خصوصا بالعزيمة والتحلي بالواقعية سوف نستغل معا جميع المنابر العامة  لجعل مؤسساتنا وحكامنا مسؤولون أمام الأمر الواقع. وسنحاسبهم على ادارة الشؤون العامة لبلادنا مذكرين إياهم بأن الجزائر لكل الجزائريين وليست لفرد أو مجموعة دون أخرى.


Nombre de lectures: 271 Views
Embed This