DzActiviste.info Publié le dim 21 Juil 2013

مساهمة منشورة في يومية الوطن الصادرة بتاريخ 03-11-2011. تحت عنوان « تخلفنا: مصيرنا أو مسؤوليتنا؟

Partager

social responsability

سنُحيي  في بضعة أشهر مناسبة الاحتفال بالذكرى الخمسين للاستقلال، لذا لا يجب لهذا الحدث أن يمر مرور الكرام بل ينبغي أن يكون فرصة لمراجعة أنفسنا وإعداد حوصلة عما حققناه، لذا فإن التوقف ولو لوهلة قليلة وتسليط الضوء على ذلك لن يكون بقدر من الأهمية إلا إذا أقدمنا على رؤية الحقيقة على ما هي عليه دون لف أو دوران، وذلك بغض النظر عن الأحاسيس التي تعترينا، رعب، حسرة، كآبة، ينبغي لنا التحلي بالكثير من الشجاعة لنقدر على مجابهة هذه الحقيقة وأن نتسلح بالكثير من القوة لكي لا ننهار ونحن نواجه هذه الحقيقة، وذلك بفعل الألم الذي يطالنا ونحن ندرك حجم إخفاقاتنا، أو بمجرد ذكر الأشخاص المسؤولين عن هذه الاخفاقات، والذين حرمونا من تحقيق مسار بطولي تتطلع إليه الكثير من الأمم، وبالرغم من ذلك فأكثر ما يحز في أنفسنا عندما نستعرض واقع بلدنا هو ذلك الإنطباع وكأننا أمام شعب في حيرة من أمره لا يعرف إلى أين المسير، بل وأنه خائض في سياسة الهروب إلى الأمام، ومع ذلك ولسوء الحظ فإن ساعة مراجعة النفس على ما يبدو لم تحن بعد.

تبدو الجزائر وكأنها عبارة عن باخرة من الأشباح آيلة إلى الغرق، ولا أحد واع بذلك، لأنه لم يجرؤ أحدا على أن يلقي نظرة من على متن الباخرة ولا تفحص  أدوات القياس التي أصبحت مظطربةمنذ أمد بعيد. باخرة من الأشباح لأنه وعلى ما يبدو فإن أبناء بلدي قد تخلوا عن جميع أحلامهم دون استثناء حتى البسيطة منها، ألا يمكن اعتبار الإنسان الذي ليست له أحلام بأنه إنسان ميت؟

لقد استلم أجدادنا شيكا على بياض غداة استقلال الجزائر ولكن ما هي الأرقام التي يمكن أن نستخلصها من ذلك بعد مرور خمسين (50) سنة؟ 100.000 ألف إلى 300.000 قتيل جراء الحرب الأهلية التي ذقنا مرارتها سنوات التسعينات من القرن الماضي؟ تسجيل المئات من حالات انتحار الشباب الجزائريين والتي لا زالت أثارها تلقي بضلالها على الجزائر؟ تسجيل غرق المئات من الحراقة كل سنة والذين يفضلون المخاطرة بأنفسهم على البقاء في بلدنا؟ هل يمكن الجزم بأن الجزائر  قد تحولت إلى سجن على الهواء الطلق؟

وبعيدا عن هذا الحصيلة التي يندى لها الجبين، فإن الواقع الذي يشهده المواطنون الذين لا يزالون على قيد الحياة أكثر تدهورا من دون شك، فالميزانية الاقتصادية والاجتماعية ليست على ما يرام بما فيه الكفاية، مقارنة بالتطلعات التي كنا نتوق اليها عشية استقلال الجزائر. لم يراهن أحد خلال سنوات الستينات على كوريا الجنوبية بل كنا نتنبأ بأن تكون الجزائر قوة يشهد لها الجميع ألف حساب. خمسون سنة فيما بعد أصبحت كوريا الجنوبية في مصاف الدول الخمسين الأولى فيما يخص الناتج المحلي الإجمالي  للفرد الواحد في حين لا تزال الجزائر تقبع بعيدا في الوراء في المركز 126. يمكن الخوض في عد لا متناهي من الإحصائيات التي تثير الحسرة والتي تترجم نتائجنا الاقتصادية الضعيفة وعجزنا المزمن عن بناء مجتمع مزدهر. ولكن الأكثر أهمية هو الواقع الاجتماعي التي تترجمه، والذي يعيش فيه الملايين من الرجال والنساء الذين حكم عليهم بأن يعانوا في صمت، دون القدرة على إسماع صوتهم والتعبير عن رغبتهم الجامحة للتخلص من الظروف المزرية التي تخنقهم كل يوم بشكل غير محسوس.

الواقع الذي يستوقفني أكثر هو واقع شبابنا، فعلاوة على أنه يمثل نسبة 70 % من مجموع السكان، فإنه يعد المقياس الأول لصحة الأمة. وضعية الشباب والطريقة التي نتعامل بها معهم وطريقة تصورهم للمستقبل. كل هذا كاف للدراسة لنتمكن من فهم الحصيلة الكارثية التي وصلنا إليها بعد نصف قرن من سياسة الفوضى. ماذا يقول لنا شبابنا؟ لا نعرف شيئا عن ذلك في حقيقة الأمر، لأننا لا نصغي إليهم بل الأسوأ من ذلك لا نسمع لهم إطلاقا، ذهبت لملاقاة هؤلاء الشباب، استمعت إليهم وأدركت حجم الخطأ الجسيم الذي اقترفناه في حقهم أين فرطنا في حاضرهم بل الأكثر من ذلك فقد فرطنا حتى في مستقبلهم، ولو نظرنا لهؤلاء الشباب عن قرب، لأدركنا أن الملايين من هؤلاء الشباب هم ثروتنا الوحيدة ولكن عوض أن نعمل على تثقيفهم، أذقناهم مختلف أشكال الحرمان، فضيعنا بالتالي قوة هائلة يمكن أن تحسدنا عليه الكثير من الشعوب البناءة.

كوننا نزخر بهؤلاء الشباب مصدر الثروات، يمكننا أن نفتخر بامتلاك مركز مزدهر للتجارة العالمية وباحثين علميين مشهورين، ولكن عوض ذلك اكتفينا بالافتخار  بتشييد الطرقات والمباني، ونسينا بأن تلك المنجزات قد تمت بفضل التكنولوجية المتطورة للشعوب الأخرى، بفضل مؤسساتهم بل حتى بفضل عمالهم، كان علينا أن نختار  مصير ثروتنا البشرية ولقد قمنا بالفعل بالاختيار الخاطئ، ألا وهو اختيار الرداءة. لا يقاس الإنسان إلاّ بما حققه، ماذا حققنا إذن خلال خمسين سنة؟ بماذا أسهمنا في سبيل الإنسانية؟

موجات الفرح البشرية التي حدثت خلال كأس العالم الأخيرة لكرة القدم والعلم الوطني يرفرف بكل افتخار من قبل أبناء بلدنا جعلني أدرك إلى أي مدى فقدنا الثقة والإيمان في أنفسنا، هنا أيضا، مجابهة الحقيقة مثلما هي عليه تمكننا من فهمها. إسهامنا في المعرفة العالمية منعدم سواء كان ذلك في الميدان الثقافي أو في الميدان العلمي والتكنولوجي. فالجزائر لا تزال حتى الآن تتذيل الترتيب في جميع التصنيفات العالمية.

ما سبب وصولنا إلى هذا الوضع؟ وإلى متى سنستمر في تقبل أن نكون ضلا لأنفسنا؟ كثير منا يساورهم اعتقاد جازم يودون إقناعنا من خلاله بأن تاريخ مرحلة ما بعد استقلال الجزائر  هو تاريخ ملعون، وبأننا ارتكبنا خطيئة ينبغي لنا التكفير فنها قبل التطلع في الأخير للعيش في الحرية الكاملة التي استرددناها مقابل تضحيات جسام. هذا إذن هو الحل الأسهل، الحل المتعلق بالشخص الذي يؤمن بالقضاء والقدر، بل حتى حل الشخص المحكوم عليه.

أليست المأساة التي وصلنا إليها هي بكل بساطة نتيجة أفعالنا الشخصية؟ فالبترول على سبيل المثال في واقعنا يعد بمثابة لعنة علينا لأنه سمح بإرساء وتكريس نظام اجتماعي يتعارض بشكل كلي مع التطور. بالرغم من أنه في طبيعته كان يمكن لمواردنا في المحروقات أن تشكل محورا هاما للتطور، تسمح على سبيل المثال بتمويل بأقل تكلفة اجتماعية المشاريع الضخمة وجميع الإصلاحات الهيكلية الضرورية لبناء نسيج اقتصادي تنافسي (الإدارة، التربية، النظام البنكي، عصرنة المؤسسات) ….الخ.

كان من الممكن لو وجدت هنالك سياسة تطوير حقيقية تولي أهمية إستراتجية لقطاع المحروقات لتمويل النمو، أن تسمح لنا في ظرف عشر (10) سنوات من مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي . ولكن الواقع الذي عشناه مغاير لذلك تماما، وما عسانا إلا ملاحظة التناقض بين تراكم احتياطات الصرف (لمستويات لم يسبق لها مثيل) من جهة، وتدهور الوضعية الاجتماعية من جهة أخرى والتي بلغت مستوى مقلق يهدد تماسك مجتمعنا.

كيف أدى ضخ عشرات الملايير من الدولارات في الاقتصاد إلى نشوب أعمال شغب وتشكيل أزمة اجتماعية عميقة؟ هنالك العديد من العوامل التي تسمح لنا بفهم ذلك وتوضيح كيف أن هذه الوضعية ليست متناقضة إلا في الظاهر.

يعود ذلك في أول الأمر إلى غياب إصلاحات هيكلية بأتم معنى الكلمة، يمكن لها أن تسمح بإنشاء وتطوير العدد الكافي من الشركات الوطنية، وثانيا إلى ارتكاز نظامنا الاجتماعي على هيمنة الدولة على المجتمع، والتضييق على الحريات والحث على اللجوء إلى الريع النفطي عوض الإنتاج. وثالثا إلى تفكيك المجتمع وفقدان ثقته مما جعلنا نعجز على التفكير والعمل سوية في جميع الميادين (الاقتصادية، الاجتماعية والسياسية). إن فقدان قيمنا المعنوية التي تعتبر نتيجة طبيعية، فتحت المجال للتصرفات الانتهازية التي عمت جميع الميادين والمجالات دون استثناء.

رابعا فقدان الإيمان بأنفسنا، فلم نعد نؤمن بما نقوم به، وهذا ما يفسر إخفاقاتنا في كل ما نشرع فيه، أو في بعض منه.

وأخيرا، فإن السبب الأخير لنكباتنا ومصائبنا وليس بالشيء الهين يكمن في تنصلنا الجماعي من المسؤولية والعدول عن تأدية واجباتنا الأولية تجاه بعضنا البعض وبل حتى تجاه أبناءنا.

لقد غاب مصطلح المسؤولية منذ أمد بعيد من قاموس الجزائريين، بالأخص لدى الأشخاص الذين يتقلدون مقاليد السلطة لدى عامة المواطنين البسطاء، وإذا حاولنا فهم سبب وصولنا إلى هذا الوضع، يلجئ الجميع إلى إلصاق المسؤولية في غيرهم في صيغة ضمير الجمع الغائب « هم » المتكون من أشخاص خيالين في واقع الأمر، من الذي ينبغي له أن يتحمل وحده مسؤولية وصولنا إلى الحضيض. ألا توجد هنالك مؤامرة حيكت من قبل مجموعة من الأشخاص هدفها الأخير إبقاءنا تحت وطأة سيطرتهم الهدامة، ولكن مما لاشك فيه هو أن تنصلنا الجماعي من المسؤولية هو الذي ترك لهم المجال مفتوحا.

مثل هذه الحصيلة الثقيلة من الخسائر البشرية، والتضحيات الجسام، والشباب الذي تم تحطيم وسرقة شبابه، لن تمر دون أن تثير ردودا عنيفة ،سيلجئ كل واحد منا إلى جاره ليطلب منه  أن يقدم له توضيحات، عوض أن يبحث في قرارة نفسه عن أسباب إخفاقه، وإخفاقنا، لا يرغب أي واحد منا تحمل أية مسؤولية، وبالمقابل يطالب الجميع بنصيبه من السلطة، هذا ما يميز الوضعية التراجيدية الهزلية التي نتواجد فيها، والشيء الأكثر دراماتيكية يكمن في تخلي النخبة عن أية مسؤولية، بسبب غياب الشجاعة والخيال، وكذا من دون شك بسبب وقوع النخبة أيضا ضحية فقدان الإيمان الجماعي في قدرات شعبنا.

وفي الأخير ، هناك نوع من التصرف الهدام الذي سيطر على أنفسنا، بشكل جماعي، فالأمور تحدث وكأننا واقعين نفسيا تحت وطأة الخوف من النجاح والتطلع للسعادة، مما يدفعنا بشكل غريزي على تبني سلوكات فاشلة إلى الأبد.

ولا اختلف عن باقي أبناء بلدي، فأنا مذهول من الغياب الكلي للافتخار الذي كان يحذونا عند انتهاء حرب التحرير. ألاحظ بكل حسرة في الخارج إلى أي مدى نبدو أننا غير مهمين بل الأكثر  من ذلك منبوذين بالرغم من إدراكي للقدرات الخارقة التي نملكها، لي الثقة المطلقة في شعبنا وفي قدرته على النهوض من جديد مثلما ينهض طائر العنقاء الذي يخرج من تحت الرماد متحديا، ولكن لا ينبغي لنا إطلاقا أن نكتفي بأمنيات كاذبة، يجب أن نصنع مصيرنا بأنفسنا، وفي الوقت الذي لجأت فيه عدد من الشعوب المغاربية وفي الشرق الأوسط إلى القوة للتخلص من الهيمنة والظلم، نعي بأن استعادة قرن مجدنا لا يمكن أن يبزغ مرة أخرى عن طريق العنف.

فطريق التغيير لا يمكن إلا أن تكون سلمية، ومحل تشاور جميع الأطراف الفاعلة لكي نبني معا مشروعا جماعيا جديدا وعقدا اجتماعيا جديدا تكون السلطة الجديدة هي الراعية له، يكمن خوفي الشديد في العجز الذي أصابنا إلى حد الآن من أجل فهم بعضنا البعض والثقة في أنفسنا. مستقبل قاتم سيلوح في الأفق إذا لم ننتفض بشكل جماعي، لأن المجتمع الجزائري في مرحلة غليان وسيلجئ عاجلا أم آجلا جزء من الذين ليس لديهم ما يخسرونه أو يخافونه إلى العنف الذي لم نشهد له مثيل مما سيؤدي إلى زرع الحزن في أوساط عائلاتنا من جديد ويجعلنا نسجل تأخرا لا يمكن لنا تداركه في جميع الميادين وسيرهن مستقبلنا أكثر فأكثر .

الوضعية التي وصلنا إليها خطيرة، ولقد آن الأوان لنتوقف عن التصرف كأننا ضحايا أبديين، لأننا مسؤولون جميعا، مسؤولون لأننا سلمنا بمبدأ القضاء والقدر، وتنازلنا عن كرامتنا وأحلامنا، وقبلنا التفريط في مستقبل أبناءنا، لدينا حسابات ينبغي لنا أن نقدمها لشبابنا، فنحن نقدم لهم مشعل منطفئ، يكمن في جزائر ضل لنفسها، ضعيفة أمام جميع الأطماع وخاضعة أمام جميع المصاعب.

ينبغي لنا اليوم أن نبحث عن عدونا فيما بيننا وليس في أي مكان أخر، فهو موجود في شياطيننا الداخلية، في شكوكنا ببعضنا البعض، في تنصلنا الجماعي من المسؤولية، وفي الجانب المادي والمنفعة الخاصة التي سيطرت علينا، في ظل غياب مشروع جماعي حقيقي من شأنه أن يسمح لنا بالتخطيط لمشاريعنا في ظل جزائر يمكن لأي واحد منا أن يجد مكانه في كنف الاحترام والانسجام مع الآخرين.

لا يمكن أن يبرز أي خيار أخر من شأنه أن يحيد بنا عن المسار  الخطير  الذي سلكناه، إذا لم يكن هنالك تحليل معمق، أو شعور بالمسؤولية الجماعية بأن القادم أعظم وبأننا سنتكبد الأضرار جميعا إذا لم نتحرك. والخلاص لن يأتي إلا من خلال انتفاضة جماعية، لأنه لن يبرز أي منقض خرافي يخلصنا من أغلال أنفسنا. انطلاقتنا الحقيقية لن تكون إلا حينما نتوصل إلى استرجاع ثقتنا بأنفسنا، يجب أن نطالب أنفسنا في كنف أي جزائر نود أن نعيش، ونبني عصرنا دون أي خلافات وفي ظل الانسجام مع قيم التسامح، الأخوة، الشجاعة، والرحمة التي ينادي بها ديننا الحنيف في ظل احترام الأخر واحترام حريته.

ليس لنا أي خيار أخر غير النجاح في إعادة بناء أمتنا، لكي نتمكن في الأخير من الدخول بنفس المستوى في تاريخ القرن الواحد والعشرين ونلتحق بمحفل البلدان المتقدمة في جو من السلم مع قريناتها من البلدان الأخرى.


Nombre de lectures: 264 Views
Embed This